مقالات

عبنده : العلامة الساهوكي

نشامى الاخباري_ ماجد عبنده

في العام الدراسي ١٩٨٤ / ١٩٨٥ والذي كنت فيه بالسنة الثالثة في كلية الزراعة بجامعة بغداد درست مادة (تحليل وتصميم التجارب الزراعية) ، قيل لي حينها ان هذه المادة كالاحصاء فاستسهلت الأمر كوني كنت أجيد الاحصاء . في المحاضرة الأولى دخل علينا مدرس المادة الاستاذ الدكتور مدحت الساهوكي (رحمه الله) بقامته واناقته كان يلبس دائما بدلة رسمية وربطة عنق من النوع العريض (بالرغم من ان الموضة حينها كانت للربطات الرفيعة) يقف أمام الطلاب كالمسطرة ويتكلم بطريقة جادة لا يعرف المزاح . كانت المادة عبارة عن ثلاث محاضرات واخرى مثلها عملي ؛ يتم فيها حل التمارين والمسائل والتي كانت تاخذ وقتا طويلا فلم يكن وقتها اي تدخل للحاسوب او البرامج التي تاخذ البيانات وتعطيك التحليل النهائي للتجربة . لقد كان العمل بكليته يدوي بإستثناء استخدام الإله الحاسبة للجمع والضرب .
حدد لنا الدكتور الامتحان الاول وجاء إلى القاعة بموعده دون أن يجري اي تغيرات على أماكن جلوس الطلاب فقد تركنا كما نحن مع علمه المسبق بان العديد من الطلاب جلسوا بجوار بعضهم ليتمكنوا من (التعاون) في الحل . وقف الساهوكي أمامنا وقال بلغة الواثق هذا الامتحان (open book) لكنه محدد الوقت (close time) يعني بإمكانكم ان تفتحوا كتبكم ومحاضراتكم لكن عليم الانتهاء مع نهاية المحاضرة ، فرح الطلاب لهذا الخبر السعيد والذي ازال الكثير من التوتر والخوف منهم وبدأنا الحل ظانين اننا بالطريق الصحيح .
بعد أيام أتى الدكتور بالاوراق ليوزعها علينا لنكتشف ان (نبيل) هو الوحيد الذي نجح وبعلامة (٥٣%) ولنكتشف أيضا اننا خدعنا وان الامتحان الذي ظنناه سهلا كان من أصعب الامتحانات .
المهم أعاد الدكتور لنا الامتحان لنرفع علاماتنا والتي لم تصل في حدها الاعلى للسبعينات وننجح بتلك المادة بشق الأنفس .
بعد أكثر من عشرين عاما اخذت نفس المادة في مرحلة الماجستير في جامعة العلوم والتكنولوجيا لدى الاستاذ الدكتور بسام صنوبر حينها كانت الحواسيب منتشرة ومتاحة لنا بسهولة لكننا كنا مطالبين بالحل اليدوي ثم طباعة التقرير على الحاسب ، فادركت كم استفدت من الدكتور الساهوكي في فهم المادة واكتشفت انه كان يفصل لنا (التصاميم) تفصيلا دقيقا لذلك كانت الامتحانات والواجبات الاسبوعية سهلة جدا بالنسبة لي ولم أكن اقبل اقل من العلامة الكاملة بها . لقد كانت محاضرات الساهوكي هي المرجع الاول لي لدراسة المادة وفهمها .
الاستاذ الدكتور مدحت الساهوكي كان عالما بالنبات وهو الذي ادخل تقنية التطعيم بالخضار ضمن العائلة الواحدة فقد شاهدت بنفسي تجاربة في كلية الزراعة في انتاج محصول (البماطة) والذي ينتج ثمار الطماطة (البندورة) في الاعلى وثمار البطاطا في الأسفل وقد أكد لي ذلك زميل الدراسة الاستاذ الدكتور عبدالله رواشدة حين شارك في معرض للتقنية الزراعية في بغداد عام ١٩٨٧ . طبعا تطعيم الخضار انتشر الان في كل العالم وبدأ العمل به في الأردن عام ١٩٩٩ لتطعيم البطيخ على القرع لحماية النبات من آفات التربة .
رحم الله العلامة الكبير والأستاذ الالمعي مدحت الساهوكي ونفع الأمة بعلمه ومؤلفاته التي تركها للدارسين والباحثين .

اظهر المزيد
الداعمين:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *