مقالات

بالعشم

نشامى الاخباري _ محمد محيسن

في كل مرة تقترب فيها انتخابات أمريكية أو إسرائيلية، يعود العرب إلى عادتهم القديمة: نراقب، نحلل، نتوقع، ثم نعلّق شيئاً من آمالنا على صندوق اقتراع لا نملك فيه صوتاً واحداً.
نراقب الانتخابات الأمريكية وكأنها انتخاباتنا، ونراقب الانتخابات الإسرائيلية وكأن تغيير اسم رئيس الحكومة هناك سيغيّر، بالضرورة، شكل المنطقة هنا.
نختلف في التحليل، لكننا نتفق في شيء واحد تقريباً: العشم.
والعشم، كما يقول قاموس المعاني، هو الأمل أو الطمع في شخص أو جهة معينة، وغالباً ما يأتي من باب الحب وحسن الظن.
لكن ماذا لو كان «حسن الظن» هو المشكلة؟
كتبت قبل نحو عشر سنوات أن أصحاب الياقات البيضاء في العالم العربي يتعاملون مع السياسة الأمريكية بـ«العشم». كنت أعتقد يومها أن السنوات والتجارب والرسائل التي تصلنا من واشنطن وتل أبيب ستكون كافية لجعلنا أقل تعلقاً بالأشخاص، وأكثر انتباهاً للمصالح.
لكن يبدو أن السنوات مرّت، والتجارب تراكمت، والرسائل وصلت…
والعشم بقي في مكانه.
ها نحن نعود إلى المشهد نفسه. انتخابات في واشنطن، وأخرى في إسرائيل، ومراكز دراسات تستنفر، وشاشات تلفزيون تمتلئ بالخبراء والتوقعات والسيناريوهات، فيما يتابع المواطن العربي كل ذلك وكأنه ينتظر نتيجة قد تقرر مصيره.
والسؤال الذي نادراً ما نطرحه هو: ماذا سيتغير فعلاً بالنسبة لنا إذا تغيرت الوجوه؟
في الولايات المتحدة، تتجه الأنظار إلى انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر 2026، حيث يتنافس الحزبان على السيطرة على مجلس النواب ومقاعد في مجلس الشيوخ. وفي إسرائيل، تجرى انتخابات الكنيست في السابع والعشرين من أكتوبر.
لكن السؤال العربي يبقى، في كثير من الأحيان، شخصانياً أكثر مما ينبغي:
ماذا لو فاز هذا، وماذا لو خسر ذاك؟ ماذا سيفعل ترامب؟ ماذا سيفعل نتنياهو؟
وهل يمكن أن تكون الحكومة المقبلة أكثر اعتدالاً؟
كأن المشكلة في الأشخاص وحدهم، وكأن السياسات الكبرى تنقلب بمجرد تبديل أصحاب المكاتب.
صحيح أن الأشخاص مهمون، وأن الانتخابات يمكن أن تغيّر موازين القوى، وأن نتائجها قد تفتح أبواباً أو تغلق أخرى. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الانتخابات إلى موسم عربي للأمنيات.
فالولايات المتحدة لا تدير سياستها الخارجية بناءً على عواطفنا، وإسرائيل لا تجري انتخاباتها وهي تفكر في مصالح العرب قبل مصالحها.
هذه ليست دعوة إلى اليأس، بل إلى الواقعية.
فالدول لا تمنح الآخرين ما يحتاجونه لأنها أحبتهم أو تعاطفت معهم، وإنما لأنها ترى في ذلك مصلحة لها.
وهنا تكمن المشكلة العربية. نحن كثيراً ما ننتظر من الخارج أن يتغير، بدلاً من أن نسأل أنفسنا: ماذا نملك نحن من أوراق يمكن أن تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم؟
ننتظر انتخابات أمريكا، ثم انتخابات إسرائيل، ثم النتائج، ثم تشكيل الحكومات، ثم ننتظر مواقفها من فلسطين والمنطقة وسائر الملفات التي تمسنا… وكأننا أمام مسابقة حظ إقليمية، لا أمام نظام دولي تحكمه المصالح وموازين القوة.
قد تتغير الإدارات والحكومات، وقد تتغير اللغة والنبرة والأسلوب والتكتيك، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انقلاباً في المصالح الاستراتيجية.
قد يتغير القفاز، وقد تتغير ربطة العنق، وقد تتغير نبرة الخطاب، لكن المصالح لا تتغير بهذه السرعة.
والأهم أن الانتخابات لا تنتج دائماً ما نريده نحن، من يستطيع تنفيذ البرنامج المعد مسبقا.
لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نحول الخوف إلى انتظار، والانتظار إلى أمنيات، والأمنيات إلى سياسة.
لا بأس أن نراقب الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية. بل يجب أن نراقبها بدقة، وأن نفهم التحولات داخل المجتمعين الأمريكي والإسرائيلي، وأن نقرأ تأثير نتائجها المحتملة على المنطقة.
لكن علينا أن نتوقف عن التعامل معها باعتبارها انتخابات خلاص عربي.
لا ترامب، ولا أي رئيس أمريكي آخر، سيأتي ليعيد ترتيب المنطقة وفق ما نريد نحن. ولا رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبل سيستيقظ ذات صباح ليكتشف أن مصالح بلاده تتطابق فجأة مع مصالحنا.
فالسياسة ليست جمعية خيرية. والدول لا تتصرف بالعشم، نحن فقط من ما زلنا نفعل.
وربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال: من سيفوز ، وأن نبدأ بالسؤال الأصعب، والأكثر جدوى ماذا سنفعل نحن، أياً كان الفائز.
فإذا كان جوابنا عن هذا السؤال لا يزال غامضاً، فإن المشكلة ليست في الانتخابات الأمريكية ولا في الانتخابات الإسرائيلية.
المشكلة فينا، وكل ما عدا ذلك يدخل في باب العشم.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *