مقالات

عبندة يكتب: حصار بغداد

نشامى الاخباري _ ماجد عبندة

بعد حرب الخليج التي تبعت دخول العراق للكويت تم فرض حصار دولي تقوده أمريكا على العراق واستمر من عام ١٩٩١ إلى ٢٠٠٣ ، في ذاك الحصار تعرض الشعب العراقي (٢٠ مليون نسمة) لاقسى ظروف اقتصادية مرت به فاقت مرارتها ظروف حرب الثمان سنوات مع ايران ، كانت الحدود العراقية مغلقة من جميع الاتجاهات بإستثناء الاردن . حينها فكرت بزيارة العراق لرؤية حيبتي بغداد على الواقع بعد أن غادرتها عام ١٩٨٦ بعد التخرج . ففي صيف عام ١٩٩٢ توجهت للعراق بحافلة من عمان حيث كان الطيران ممنوع . وصلت مجمع العلاوي في بغداد في الصباح وتوجهت بالكوستر إلى الباب الشرقي سألني احد الركاب : “بيش الكروة” قلت له ١٠٠ فلس ضحك وقال : “هو اكو ١٠٠ فلس” . بادلته الابتسام وسكت ؛ لم أكن أعلم أن العملة المعدنية ألغيت بعد أن صار ثمن المعدن أعلى من القيمة المطبوعة عليه . اخرج الركاب نقودهم وبدأوا بجمع الأجرة والتي كانت دينار ، أخرجت دينارا عراقيا كان قد سافر معي يوم غادرت بغداد ، كانت دنانيرهم ورقا مطبوعا اما ديناري فقد كان طباعة سويسرية “اصلي” . وصلت الباب الشرقي ومنه إلى شارع الرشيد كنت اتفحص الناس والمحلات والمطاعم وكل شيء ، لفت نظري أن لفة الفلافل أصبحت بثلاثة دنانير والكص بخمسة . تخيلت نفسي ذلك الشاب الذي نام ٣٠٩ سنوات مع أصحابه في الكهف ثم عندما افاق ذهب ليشتري لهم طعاما بنقوده الأثرية.
عندما وصلت جسر السنك دخلت البريد المركزي لاكلم اهلي واطمئنهم على وصولي ، لم تكن الاتصالات متاحة حينها فآثرت ان ابعث برقية ، ناولتني الموظفة نصف ورقة مستعملة سابقاً قلت لها : أين اكتب؟ قالت: إقلبها ! أيقنت حينها ان الحكومة تشد الحزام حتى في ابسط الاشياء . كتبت البرقية وناولتها للموظفة وقلت لها : كم؟ عدت الكلمات وقالت ٨٠٠ فلس استغربت ؛ وناولتها دينارا سويسريا آخر و بعفوية بقيت انتظر الباقي !!! .
عندما وصلت الشورجة كان بائع الكولا يضع زجاجاته كعادته في ذاك الاناء المعدني الكبير ويضع فوقها قوالب الثلج ليكسبها البرودة في صيف بغداد الحارق ، اخذت واحدة وناولته دينارا سويسريا آخر ، وضعت الزجاجة على شفتي وأخذت منها رشفة لكني لم اتمالك نفسي فبصقتها لقد كانت بلا سكر لم أستطع تحمل مرارتها في حين كان حولي الكثير من العراقيين الذين ربما تعودوا على ذاك المرار ليس فقط لنقص السكر . عندما دخلت محلا للحلويات لم اجد به الا الكعك غير المحلى او المحشي بالتمر . كانت بغداد تعاني من نقص في كل شيء تلك المدينة التي كانت تعطي كل شيء . لكن رغم ذلك لم يفقد العراقيون نخوتهم وكرمهم فقد زرت بيتا من بيوتهم فمدوا أمامي سفرة لا تشعرك بواقعهم المر كانت مليئة بالحب والحزن العراقي . عندما قدمت لهم علبة بقلاوة احضرتها معي فرحوا بها فقد مرت شهور طويلة على آخر حبة بقلاوة اكلوها . كانت أياما عصيبة تلك الأيام التي قضيتها في بغداد والتي لم أستطع أن اطيلها كي لا احمل أصدقائي اكثر مما يطيقون فهم لا يقبلون الا باكرام ضيفهم رغم نقص كل شيء حتى في الامور الأساسية .

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *