
توسيع إيران للحرب نحو أوروبا واستهداف دول الجوار: بين حسابات الردع ومخاطر الخطأ الاستراتيجي
نشامى الاخباري _ اللواء الركن المتقاعد محمد سالم جرادات
أدت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى وايران من جهة أخرى خاصة بعد اليوم العاشر للحرب، إلى رفع مستوى التوتر الإقليمي إلى مستويات غير مسبوقة، ما يثير تساؤلات حول إمكانية توسع نطاق الحرب خارج الشرق الأوسط لتشمل أوروبا، في الوقت الذي تستمر فيه إيران في استهداف دول الجوار الخليج العربية والأردن وبعض الدول الأوروبية مثل تركيا وقبرص ، بينما تمثل هذه الاستهدافات تحوّلاً استراتيجياً خطيراً، وهنا يطرح السؤال: هل يمكن لإيران تعزيز قدرتها على الردع بهذه الطريقة، أم أن هذه التحركات ستتحول إلى خطأ استراتيجي يعمق عزلتها ويزيد المخاطر عليها؟
في هذا المقال الذي سيحاول تحليل هذه التساؤلات من المنظور الجيو سياسي ومنظور استراتيجي، عبر أربعة محاور: منطق الردع الإيراني، مخاطر تدويل الصراع، استهداف دول الجوار، وتقييم معضلة الخطأ الاستراتيجي.
منطق الردع في الاستراتيجية الإيرانية. تعتمد إيران على استراتيجية ردع غير متكافئ تهدف إلى تعويض التفوق العسكري للخصوم عبر أدوات غير تقليدية ومرنة مثل القدرات الصاروخية الباليستية والطائرات المسيرة، الشبكات الإقليمية وحلفاء غير رسميين مثل حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق، العمليات السيبرانية والمخابراتية. ويشير تقرير للباحث Michael Eisenstadt، إلى أن “استراتيجية إيران تقوم على رفع تكلفة المواجهة على الخصوم، من دون الانخراط مباشرة في حرب تقليدية شاملة.” وبناءً على هذا المنطق، تميل إيران إلى إدارة الصراع ضمن نطاقات جغرافية يمكن التحكم فيها، ما يجعل أي توسيع نحو أوروبا يمثل خروجاً عن هذا النمط التقليدي.
أما من منظور مخاطر تدويل الصراع فمن خلال توسيع نطاق الحرب إلى أوروبا سيؤدي ذلك إلى تغيير طبيعة الصراع بشكل جذري، فالقارة الأوروبية تمثل العمق السياسي والعسكري لحلفاء الولايات المتحدة الامريكية ، كما أنها جزء من البنية الأمنية الغربية، وبسبب اطلاق بعض الصواريخ الى بعض الأهداف في أوروبا فقد غيرت بعض الدول الأوروبية موقفها اذ سمحت المملكة المتحدة باستخدام قواعدها من قبل الولايات المتحدة لشل القدرات الإيرانية ، وارسلت بارجة حربية للشرق الأوسط لتعزيز موقفها الدفاعي بعد ان كانت تلتزم الحياد في الأيام الأولى للحرب وهكذا إيطاليا واليونان وفرنسا وتركيا وغيرها.
أصبح واضحاً ان أي استهداف لأوروبا قد يؤدي إلى تشكيل تحالف دولي أوسع ضد إيران، مما يزيد من الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية عليها، وان توسيع نطاق الحرب غالباً ما يؤدي إلى نتائج غير متوقعة، إذ قد يدفع أطرافاً كانت تحاول تجنب المواجهة إلى الانخراط فيها مباشرة.
استمرار استهداف إيران لدول الجوار وتأثيره الجيوسياسي. دول الجوار المباشر لإيران تعتبر ذات حساسية جيوإستراتيجية ، وأي هجوم أو تهديد مباشر عليها سوف يخلق تداعيات كبيرة ، ويزيد من احتمالية تدخل دولي مباشر الى جانب الولايات المتحدة الامريكية، خصوصاً من قبل بريطانيا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ، وهذا النوع من الاستهداف سيؤدي إلى توحيد الموقف لدول الجوار واوروبا ضد إيران، ، ويضاعف من احتمالات خطر الانزلاق نحو حرب شاملة. وبذلك يصبح التوسع الجغرافي للصراع سيفاً ذو حدين من ناحية قد يعطي إيران نفوذاً إعلامياً أو شعوراً بقدرتها على الردع لكن بشكل محدود ، لكنه يعمّق عزلة طهران ويزيد المخاطر على أمنها القومي بشكل شامل .
الخطأ الاستراتيجي. يشير مصطلح الخطأ الاستراتيجي إلى اتخاذ قرار يؤدي إلى نتائج عكسية للأهداف المرسومة. بإصرار إيران على توسيع دائرة الحرب نحو أوروبا واستمرار استهداف دول الجوار يمثل خطأً استراتيجياً محتملاً، اهم نتائجه انه يقوي التحالفات الإقليمية والدولية ضد إيران، وقد يؤدي إلى تدويل الحرب، وهذا من شأنه ان يجعل السيطرة على مسار الصراع أكثر صعوبة وغالباً سيؤدي الى نتائج غير متوقعة وقد يقوض الردع التقليدي المرغوب
في خلاصة المقال فان تقييم الموقف العام تظهر السيناريوهات المحتملة التالية:
1. التصعيد المتبادل المنضبط: استمرار الهجمات المتبادلة بين الأطراف المتحاربة واستمرار الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليج العربية والاردن وبعض الدول الأوروبية قد يؤدي إلى ردود فعل عسكرية وسياسية قوية ومتتالية، اما إذا طالت مدة هذا السيناريو فلن يكون مضموناً استمرار مواقف الدول المنضبطة بعدم الرد وهذا يعني اتساع الحرب وتشكيل تحالف متكامل ضد إيران.
2. تدويل الصراع ضد إيران: نتيجة للسيناريو الأول ونفاذ صبر الدول المتأثرة يمكن اندلاع مواجهة دولية واسعة تشمل تدخل القوى الغربية وإعادة ترتيب ميزان القوى الإقليمي وتدخل إيران والمنطقة في مرحلة انتقالية طويلة لها ما يتبعها من انعكاسات على النظام الإقليمي والعربي وتداعيات الاقتصاد والهجرات والنزوح وغيرها من ويلات الحروب التي عانت دول الشرق الأوسط منها ولا تزال.
3. خفض التصعيد. اصبح واضحاً ان كل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وايران من جهة أخرى تقوم بمراجعة استراتيجياتها منذ بدء الحرب لغاية الان ، فالحرب مكلفة جداً ، والارقام المعلنة للتكاليف الاقتصادية والعسكرية الحرب ترتفع يومياً لجميع الأطراف ، وتؤشر باتجاه جدية التفكير بخفض التصعيد ، هذا عدا عن المخاطر التي تتعرض لها موارد الطاقة ووسائل وسلاسل الامداد عبر مضيق هرمز التي تنعكس بدورها على معظم دول العالم بشكل مضطرد وكبير ، وهناك عوامل متعددة في البيئة الداخلية الامريكية والإسرائيلية ، والبيئة الداخلية الإيرانية التي تعاني منذ عقود بسبب الحصار الاقتصادي علاوة على التدمير الذي لحق في البنى التحتية والعسكرية ، بمجموعها، تسبب عوامل ضغط كبيرة على صانع القرار في كل تلك الدول لخفض التصعيد ، وربما وراء الكواليس الجميع يبحث عن إيجاد سبيل للخروج من الازمة بأعلى نسبة من تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية للحرب ( ولو اعلامياً) وباقل الاضرار بشكل يحفظ ماء الوجه .
الخلاصة فان توسيع إيران لدائرة الحرب نحو أوروبا واستمرار استهدافها لدول الجوار يمثل مجازفة استراتيجية كبيرة، اذ أن المكاسب المحتملة أقل بكثير من المخاطر التي ستواجهها والتي ستزداد كلما طال أمد الصراع، وخطر الانزلاق إلى صراع متعدد الجبهات كل هذه المعطيات تجعل البحث عن خيار اقل حدة ضرورياً ( تحت مبدأ فن الممكن) اما من منظور الاستراتيجية ، تبقى إدارة الصراع ضمن حدود قابلة للتحكم الخيار الأكثر أماناً لإيران، وان أي قرار إيراني بتوسيع نطاق الحرب يحتاج إلى تقدير دقيق لردود الأفعال الإقليمية والدولية، وإلا فإن ما كان يهدف لتحقيق الردع التقليدي قد يتحول إلى خطأ استراتيجي يعمق المخاطر الجسيمة ويمثل نقطة تحول حرجة لا يمكن العودة بعدها الى الوضع القائم حالياً .




