مقالات

العالم اكبر من قريتنا

نشامى الاخباري _ شيرين قسوس

في عالمٍ تُطبخ فيه الحقائق في زوايا الظلام وتُنفث سمومها عبر شاشاتٍ تقتات على الزيف، تُحاصر إيران في قفص الاتهام وتُختزل في روايةٍ ممسوخة أرادوا لها أن تكون مرآةً مشوهة للشرق بأسره، لكن الحقيقة هناك تضرب بجذورها في أرضٍ أعمق من ضجيجهم وأبقى من سردياتهم المصطنعة، فهي ليست لوحةً باهتة بل نسيجٌ تاريخي متقد، تعانقت فيه الأديان والطوائف لقرونٍ طوال، قبل أن يولد هذا الإعلام الذي يتاجر اليوم بدم الاختلاف.
​هناك، حيث تنفس المسلم والمسيحي واليهودي والزرادشتي هواءً واحدًا، لم يكن السؤال يومًا عن الهوية بل عن المصير المشترك، فخلف غبار البروباغندا يعيش ملايين السنة في قلب النسيج العام، يشكلون أكثر من عُشر السكان في بلوشستان وكردستان وخراسان، يمارسون طقوسهم في واقعٍ مركب لا ينكره إلا جاحد، حيث تتجاور مساحات العبادة مع الجدل السياسي، دون أن يمحو القيد حقيقة الوجود أو يكسر استمرارية التعايش.
​إن الزرادشتية الصامدة في عمق التاريخ تقف شاهدًا صارخًا على أن هذه الأرض لم تُخلق للونٍ واحد، بل شُيدت على طبقاتٍ من الإيمان والتجربة الإنسانية، وإلى جوارها تنبض حياة الطوائف المسيحية من أرمن وآشوريين، وجماعاتٍ يهودية ترفض الغياب، وحتى الصابئة المندائيين وأصحاب الطرق الروحية الذين يسقطهم الإعلام من حساباته لأن وجودهم يفسد عليه حفلة الصراع الدامي.
​هذا التعدد ليس هامشًا في كتاب، بل هو العمود الفقري لمجتمعٍ تحتشد فيه المعابد والكنائس والكنس والمساجد، لكل منها حكاية صمود وعلاقة شائكة مع الدولة والمجتمع، فالصورة ليست جنةً مطلقة ولا هي الجحيم الطائفي الذي يروج له تجار الحروب، بل هو واقعٌ تتقاطع فيه القيود مع مساحات الممارسة التي لم تنقطع يومًا، تمامًا كما تجلى في شهادة الحق التي تكسر زيف الشاشات، واصفةً مجتمعًا يقاوم التفكك رغم بشاعة الضغوط، في توازنٍ دقيق يرفض تلميع التزييف وتشويه الحقد.
​المصيبة الكبرى ليست في تباين المذاهب، بل في تحويل هذا التباين إلى خنجرٍ مسموم وسلاحٍ إعلامي يضخم الثغرات حتى تبتلع الواقع، حيث تعمل ماكينة البروباغندا على بتر التاريخ وتجاهل قرون التعايش، لتختزل كل شيء في صراعٍ أبدي، لأن الشرق المتآخي يمثل كابوسًا لمن يريدونه شرقًا ممزقًا يسهل ترويضه، فما نراه ليس مجرد وصفٍ خاطئ، بل هو مشروع خبيث لإعادة صياغة الوعي، ليصبح التنوع خطرًا والجار المختلف عدوًا لدودًا.
​حين يشتد عواء هذا الخطاب، يصبح لزامًا علينا استحضار الحقيقة كاملة غير منقوصة، فالسماء لا تسأل عن المذهب حين تظللنا، والأرض لا تضيق بمن يحملون هويات مختلفة، والتآخي في هذا الزمن ليس مجرد شعارٍ ناعم بل هو فعل مقاومة ضد التزييف، وإعلانٌ صريح بأن الإنسان، مهما كان معتقده، هو جزء من قصة كبرى تأبى التقسيم، فالدفاع عن العيش المشترك هو دفاع عن قدسية الوجود الإنساني وقدرته على البقاء رغم أنف الطغاة والمحرضين، وبين ضجيج الكذب وصمت الحقيقة، يبقى الرهان على بصيرةٍ ترى ما هو قائم وتتمسك به تحت سماءٍ واحدة لا تعرف الانقسام.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *