
تعصف الحروب… من يحمي القارب العربي من الغرق؟
نشامى الاخباري _ محمد مطلب المجالي.
في زمنٍ ترتفع فيه أصوات المدافع فوق صوت العقل، يقف العالم العربي أمام لحظةٍ دقيقة لا تحتمل الغفلة ولا التردد. فالحروب التي تدور حولنا لم تعد أحداثًا بعيدة يمكن الاكتفاء بمراقبتها من خلف الحدود، بل أصبحت عواصف تضرب الإقليم كله، وتهدد أمنه واستقراره ومستقبل أجياله.
إن ما يجري في المنطقة اليوم ليس مجرد نزاعٍ عابر، بل صراعٌ تتشابك فيه المصالح الدولية، وتتصادم فيه المشاريع الإقليمية، وتُدفع الشعوب في كثير من الأحيان ثمنًا باهظًا من أمنها واستقرارها ودماء أبنائها. وفي خضم هذه الصورة القاتمة، يجد العرب أنفسهم في قاربٍ واحد يتعرض لرياحٍ عاتية وتحدياتٍ متلاحقة.
فإذا اشتدت العاصفة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: من يحمي هذا القارب من الغرق؟
إن أمن الأوطان العربية واستقرارها لم يعد قضية محلية تخص دولة دون أخرى، بل أصبح مسؤولية جماعية تمس مصير المنطقة كلها. فالجغرافيا متشابكة، والتاريخ مشترك، وما يصيب طرفًا من هذا الجسد لا بد أن ينعكس أثره على بقية الأطراف.
لقد علّمتنا التجارب أن الحروب حين تندلع في منطقتنا لا تتوقف آثارها عند ساحات القتال، بل تمتد لتضرب الاقتصاد، وتزعزع الاستقرار، وتفتح الأبواب أمام فوضى لا يعرف أحد مداها. وفي المقابل، يقف وراء هذه الصراعات لاعبون كبار يحسبون أرباحهم وخسائرهم ببرودةٍ شديدة، بينما تدفع الشعوب الثمن من أمنها ومستقبل أبنائها.
وفي ظل هذه المعادلة الصعبة، يصبح الوعي العربي ضرورة لا خيارًا. فالأوطان لا تُحمى بالانفعال، ولا تُصان بالمزايدات، بل تُحفظ حين تدرك شعوبها خطورة اللحظة، وتتمسك بثوابتها، وتدرك أن استقرار أوطانها هو الضمان الحقيقي لمستقبلها.
إن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من عتاد، بل بما تملكه من تماسكٍ داخلي، ومن قدرة على تجاوز الخلافات الضيقة لصالح المصلحة الكبرى. فحين تتماسك الجبهة الداخلية، يتحول الوطن إلى حصنٍ يصعب اختراقه، مهما اشتدت الظروف من حوله.
وفي الوقت ذاته، فإن التضامن بين الدول العربية لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة تمليها طبيعة المرحلة. فالقارب الذي يجمعنا واحد، وأي خللٍ في أحد جوانبه سيهدد الجميع بلا استثناء.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تفرقت مواقفها في لحظات الخطر دفعت أثمانًا باهظة، بينما نجت تلك التي أحسنت قراءة اللحظة وتكاتفت في مواجهة التحديات.
واليوم، ونحن نعيش في قلب هذه العاصفة، يبقى السؤال معلقًا في ضمير كل عربي: هل نترك القارب يتخبط بين الأخطار، أم نتكاتف لحمايته قبل أن تبلغ العاصفة ذروتها؟
فحين تعصف الحروب، لا ينجو إلا القارب الذي يمسك ركابه بمجاديفه معًا… ويعرفون أن الغرق إن وقع، فلن يستثني أحدًا.




