نشامى الاخباري _ طارق عوده
في هذا الوطن العربي، لم يعد القتل يحتاج إلى عدو خارجي.
صرنا ننجزه بأنفسنا، كلٌ بطريقته.
في غزة يُقتل الأطفال بالهواء الملوث، وبالبرد القارس، وبالخيام الغارقة.
في عمّان يُقتل الأمل بالإهمال، وبالعجز، وبفاتورة علاج لا يقدر عليها الفقراء.
وفي دولٍ عربية غيّرت أنظمتها حديثًا، يُقتل المدنيون بالرصاص، وبالسقوط من أعالي الأبنية، وباتهامات جاهزة بلا أي إثبات.
النتيجة واحدة:
دم عربي… وبصمة عربية على الجريمة.
غزة: حين يصبح البرد سلاحًا
في غزة، لم يعد الموت قصفًا فقط.
الموت هناك يتسلل بصمت:
مع كل نفس ملوث،
مع كل ليلة مطر،
مع كل خيمة لا تصمد أمام الريح.
الأمطار أغرقت الخيام،
الأرض تحولت إلى مستنقعات،
البطانيات ابتلت،
وأطفال — نعم أطفال — ماتوا من البرد القارس.
لم يموتوا لأن الشتاء قاسٍ،
بل لأن الحصار أقسى.
لأن المساعدات مُنعت.
لأن الوقود حُبس.
ولأن دولة عربية قررت، في عزّ هذا الجو، أن تُغلق المعبر، وأن تُشارك في الجريمة لا بالقنابل، بل بالقرار.
أي عار هذا؟
وأي أمة تترك طفلًا يتجمد ثم تتحدث عن السيادة؟
غزة تختنق… والعالم العربي يتفرج
الهواء في غزة لم يعد هواء.
هو خليط من غبار البيوت المهدمة، ورائحة الموت، وصمتٍ عربيٍ أثقل من القصف.
جرحى بلا تدفئة،
خدّج بلا حضّانات تعمل،
مرضى بلا كهرباء،
وأطفال يُدفنون لأن الخيمة لم تحمهم ليلة واحدة.
ثم يخرج علينا من يقول: الوضع الإنساني صعب.
لا،
الوضع جريمة مكتملة الأركان.
رفيف… طفلة في عمّان، ووجع اسمه الإهمال
بعيدًا عن غزة، هنا في الأردن، هناك طفلة اسمها رفيف.
رفيف لا تعيش تحت القصف، لكنها تعيش تحت قهرٍ آخر: الفقر.
طفلة تحتاج علاجًا، وأهلها عاجزون.
لا لأنهم مقصرون، بل لأن العلاج صار امتيازًا لا حقًا.
رفيف ليست حالة استثنائية، بل عنوان لألف رفيف.
ألف طفل يُترك للمرض لأن أهله لا يملكون المال.
ألف طفل يُقاس حقه في الحياة بحسابه البنكي.
أين وزير الصحة؟
أين مجلس النواب؟
أين الدولة عندما يكون المريض فقيرًا؟
مجلس النواب: حاضر في كل شيء… إلا وجع الناس
مجلس النواب يناقش، ويجادل، ويتحدث،
لكن عندما يتعلق الأمر بطفل مريض،
يصمت.
أين جلسة طارئة لرفيف؟
أين مساءلة؟
أين تشريع يجعل العلاج حقًا لا منّة؟
هل دوركم فقط رفع الأيدي؟
أم حماية حياة الناس؟
“الوضع تحت السيطرة”… بينما المدن تغرق
ثم نسمع العبارة المعتادة من الأمانة:
“الوضع أثناء المنخفض تحت السيطرة.”
أي سيطرة؟
ومناطق كاملة غرقت؟
وشوارع تحولت إلى أنهار؟
وبيوت دخلها الماء؟
وأطفال ناموا على الخوف؟
السيطرة ليست بيانًا صحفيًا.
السيطرة استعداد وبنية تحتية.
لكننا نغرق كل شتاء،
ونُطلب بالصبر كل مرة.
أنظمة تغيّرت… فازداد القتل
وفي مشهد عربي أكثر سوادًا، نشهد دولة عربية غيّرت نظامها حديثًا،
فلم تغيّر عقلية القتل.
مدنيون أكراد يُقتلون،
يُرمون من أعالي الأبنية،
ثم يُقال عنهم “مرتزقة” بلا أي دليل،
بنفس المنطق الداعشي: اقتل أولًا، ثم اصنع الرواية.
وفي الوقت نفسه،
يوقّع هذا النظام اتفاقيات استخباراتية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي،
ويُضحي بأراضيه،
ويوجه سلاحه — مع الإسرائيلي — ضد محور المقاومة.
من يقتل شعبه،
لا يمكن أن يكون حليف حرية،
ولا صاحب قضية.
الخلاصة: الجريمة واحدة… والساحات متعددة
في غزة:
أطفال يموتون من البرد.
في عمّان:
أطفال يُتركون بلا علاج.
في دول أخرى:
مدنيون يُقتلون ويُرمون من شاهق.
الفاعل واحد:
أنظمة عربية اختارت السلطة على الإنسان.
أبيات ختام على وجع الأمة
(على نهج المتنبي وأحمد مطر)
قتلونا مرةً بالسيفِ قالوا: عدو
ومرةً بالبردِ قالوا: قَدَر
إن مات طفلٌ قالوا: اصبروا
وإن عاش حرٌّ قالوا: خطر
غيّروا الأنظمةَ، لم يغيّروا
غير شكلِ القتلِ والخبر
في الختام،
تحية لكل قارئ حر،
لكل من لم يبع صوته،
ولكل من ما زال يؤمن أن الكلمة مقاومة.