نشامى الاخباري _ طارق عوده
تمرّ الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الأزمات الطبيعية مع الاضطرابات السياسية، والتوترات الخارجية مع الانقسامات الداخلية. ما يجري اليوم لا يمكن فهمه كأحداث منفصلة، بل كسياق عام يكشف هشاشة متزايدة في بنية الدولة التي قادت النظام الدولي لعقود.
عام 2026 لا يبدو عامًا عاديًا في التاريخ الأمريكي، بل عامًا تتكثف فيه مؤشرات التحول العميق، وربما فقدان الدور التقليدي للولايات المتحدة كما عرفه العالم.
عواصف الداخل: حين تختبر الطبيعة قدرة الدولة
شهدت الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة عواصف ثلجية قاسية ضربت عددًا من الولايات، وأدت إلى:
شلل واسع في حركة النقل
انقطاع الكهرباء والتدفئة عن ملايين المواطنين
إغلاق مطارات وطرق حيوية
إعلان حالة الطوارئ في ولايات أمريكية عدة
اللافت في هذه الأحداث ليس شدتها المناخية فحسب، بل ضعف الجاهزية المؤسسية في التعامل معها. دولة تمتلك أكبر ميزانية عسكرية في العالم، بدت عاجزة عن حماية مواطنيها من أبسط متطلبات الأمن الإنساني في حالات الطوارئ.
العواصف هنا لم تكن أزمة طقس فقط، بل اختبارًا لقدرة الدولة على إدارة الأزمات الداخلية، وهو اختبار تكرر الفشل فيه أكثر من مرة.
الطوارئ المتكررة: خلل بنيوي لا حادث عابر
تحوّل إعلان حالة الطوارئ في الولايات المتحدة من إجراء استثنائي إلى ممارسة شبه دورية.
هذا التحول يعكس:
إنهاك البنية التحتية
ضعف التنسيق بين الحكومة الفيدرالية والولايات
عجز النظام السياسي عن التخطيط طويل الأمد
حين تصبح الدولة في حالة طوارئ دائمة، فإن ذلك يشير إلى خلل بنيوي، لا إلى أزمة مؤقتة.
الهروب إلى الخارج: منطق الإمبراطوريات المتعبة
التاريخ السياسي يُظهر أن الدول التي تواجه أزمات داخلية عميقة تميل إلى تصعيد خارجي كوسيلة لإعادة ترتيب الداخل أو توحيد الرأي العام.
والولايات المتحدة اليوم لا تبدو استثناءً عن هذه القاعدة.
التصعيد في الخطاب السياسي، والتحركات العسكرية، واستعراض القوة البحرية، كلها مؤشرات على أن الخيار العسكري يُطرح مجددًا كأداة سياسية.
إيران: الحرب المؤجلة دائمًا
الملف الإيراني حاضر بقوة في النقاش الأمريكي:
تهديدات متكررة
حديث عن “ضربات وقائية”
تلميحات إلى جاهزية عسكرية
لكن أي مواجهة مع إيران، حتى لو بدأت محدودة، تحمل مخاطر تحوّلها إلى صراع إقليمي واسع، يصعب ضبط مساره أو التحكم بتداعياته.
الحرب هنا ليست قرارًا عسكريًا فقط، بل رهانًا سياسيًا عالي الكلفة.
كوبا: عودة صراع لم يُغلق
في المقابل، تعود كوبا إلى دائرة التوتر بهدوء، من خلال:
تشديد الحصار
تصعيد سياسي وإعلامي
تبادل اتهامات أمنية
كوبا تمثل في الوعي الأمريكي إرث الحرب الباردة غير المحسوم. وأي تصعيد معها لا يعني فقط توترًا إقليميًا، بل إشارة إلى أن واشنطن تعيد استحضار أدوات قديمة بدل البحث عن مقاربات جديدة.
العنف الداخلي وأزمة الشرعية
بالتوازي مع ذلك، تشهد الولايات المتحدة تصاعدًا في العنف الداخلي:
سقوط قتلى خلال احتجاجات
استخدام متزايد للقوة الأمنية
تراجع الثقة بالمؤسسات
الدولة التي بنت صورتها الدولية على حماية الحريات، تواجه اليوم تحديًا أخلاقيًا داخليًا ينعكس مباشرة على مكانتها الخارجية.
شلل سياسي وإغلاق حكومي محتمل
يتكرر الحديث عن احتمال إغلاق الحكومة الفيدرالية نتيجة الخلافات السياسية، وهو مؤشر خطير على:
عمق الانقسام الداخلي
عجز النظام السياسي عن اتخاذ قرارات حاسمة
تآكل فعالية المؤسسات
الدولة التي تعجز عن إدارة ميزانيتها، تجد صعوبة متزايدة في قيادة نظام عالمي معقّد.
خلاصة: نهاية الدور الأمريكي بصيغته التقليدية
ما تشهده الولايات المتحدة اليوم لا يعني انهيارها كدولة،
بل يشير بوضوح إلى تآكل دورها التقليدي كقوة قائدة للنظام الدولي.
عام 2026 قد يُسجَّل بوصفه عامًا مفصليًا،
ليس لسقوط أمريكا،
بل لبداية انتقال العالم إلى مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية.
للدعم واستمرار هذا النوع من التحليل السياسي المستقل:
يرجى التواصل على الرقم: 0785317980