مقالات

حين تُحذف الأسماء وتُرفع الأعلام… من يحمي الكرامة الوطنية؟

نشامى الاخباري _  طارق عوده

بين قرار إزالة اسم الشهيد عز الدين القسام من أحد أحياء عمّان، وبين مشهد وزير في حكومة إسرائيل يرفع علم بلاده على أعلى نقطة في منطقة الأغوار ويتحدث بلغة تهديد واضحة وصريحة… تقف الدولة الأردنية أمام سؤال تاريخي لا يحتمل الرمادية.
أي رسالة نبعثها لشعبنا؟
وأي قراءة يُفترض أن يفهمها المواطن من هذا التناقض الصارخ؟
في الداخل، يتم التعامل مع الرموز الوطنية وكأنها عبء سياسي يجب التخلص منه أو “تدويره إداريًا”.
وفي الخارج، يُعلن سياسيون إسرائيليون، دون مواربة، أن الأغوار جزء من مشروعهم، وأن الحدود يمكن إعادة تعريفها وفق مصالحهم.
الأمر لم يعد مجرد تصريح إعلامي عابر.
حين يقف وزير إسرائيلي ويرفع علمه فوق أرض ملاصقة لحدودنا، ويتحدث عن “السيادة الطبيعية”، فهو لا يخاطب جمهوره الداخلي فقط… بل يختبر صلابة الموقف الأردني. يختبر رد الفعل. يختبر الخطوط الحمراء.
والأخطر من ذلك، أن هذه التصريحات لا تأتي في فراغ سياسي.
قبلها، جاءت مواقف وتصريحات من مسؤولين في الولايات المتحدة تعطي غطاءً سياسيًا للتوسع الإسرائيلي، أو على الأقل تتعامل معه ببرود يقترب من القبول الضمني.
حين تتلاقى الأطماع مع الدعم الدولي، يصبح الخطر استراتيجيًا لا إعلاميًا.
ويصبح الصمت مكلفًا.
نحن لا نتحدث عن خلاف حدودي تقني.
نحن نتحدث عن مشروع إقليمي يرى في الأردن ساحة ضغط، لا شريك استقرار.
يرى في الأغوار امتدادًا جغرافيًا، لا حدودًا سيادية.
يرى في الأردن حلقة قابلة للاختبار، لا دولة ذات وزن تاريخي.
وفي ظل هذا كله، نأتي نحن لنناقش حذف اسم “القسام” من لافتة شارع؟
ليكن واضحًا:
القضية ليست شخصًا أو تيارًا أو خلافًا أيديولوجيًا.
القضية هي رمزية وطنية مرتبطة بتاريخ مقاومة الاستعمار في المنطقة. حين نحذف الاسم، نحن لا نمارس حيادًا إداريًا… نحن نرسل رسالة سياسية، سواء قصدنا أم لم نقصد.
الرموز ليست مجرد حروف على لوحة معدنية.
الرموز تعكس اتجاه البوصلة.
وعندما تكون المنطقة في حالة غليان، وأطراف خارجية تتحدث عن إعادة رسم الخرائط، فإن أي إشارة ضعف — مهما بدت صغيرة — تُقرأ جيدًا في غرف القرار.
الأردن ليس دولة يمكن الضغط عليها إلى ما لا نهاية.
الأردن ليس تفصيلًا في مشروع الآخرين.
الأردن دولة ذات سيادة، دفعت أثمانًا باهظة للحفاظ على استقرارها، واحتضنت قضايا الأمة دون أن تساوم على حدودها.
لكن السيادة لا تُحفظ بالبيانات الدبلوماسية وحدها.
السيادة تحتاج إلى وضوح داخلي قبل أن تحتاج إلى خطاب خارجي.
كيف نطلب من المواطن أن يثق بأن الدولة تقف بثبات أمام التهديدات، بينما يرى ارتباكًا في ملفات الهوية والرمزية؟
كيف نقنع الشباب بأن الأردن خط أحمر، إذا كانت الرسائل المرسلة لهم ملتبسة؟
التهديد الحقيقي اليوم ليس دبابة على الحدود.
التهديد هو مشروع سياسي طويل النفس، يراكم الوقائع خطوة خطوة.
تصريح اليوم، علم يُرفع غدًا، قرار يُشرعن بعد غد… ثم يصبح الاعتراض “متأخرًا”.
الأغوار ليست مجرد أرض زراعية.
الأغوار عمق استراتيجي.
الأغوار خط الدفاع الطبيعي للأردن.
وأي حديث عن سيطرة إسرائيلية دائمة هناك، هو مساس مباشر بالأمن القومي الأردني — دون تجميل أو مجاملة.
الصراحة مطلوبة:
الخطر وجودي إذا تم التعامل معه باستخفاف.
وجودي سياسيًا وديمغرافيًا واستراتيجيًا.
لسنا دعاة حرب.
لكننا أيضًا لسنا دعاة صمت.
المطلوب ليس انفعالًا، بل موقفًا رسميًا واضحًا لا يحتمل التأويل:
لا مساس بالأغوار.
لا قبول بأي خطاب يشكك في الحدود.
لا رسائل مزدوجة في الداخل والخارج.
إذا كانت إسرائيل تختبر الإرادة الأردنية، فعليها أن تسمع موقفًا صريحًا لا لبس فيه.
وإذا كانت بعض العواصم الكبرى تعتقد أن الأردن سيتكيف مع أي واقع يُفرض عليه، فعليها أن تعيد حساباتها.
التاريخ علمنا أن الدول التي تتنازل عن رموزها أولًا، تُجبر لاحقًا على التنازل عن مواقعها.
والدول التي لا ترسم خطوطها الحمراء بوضوح، تُرسم خطوطها من قبل الآخرين.
الأردن أكبر من أي ضغط.
لكن الكبرياء الوطني لا يعيش في البيانات وحدها… بل في القرارات.
واليوم، المطلوب ليس حذف اسم من حيّ، بل تثبيت اسم الأردن كدولة لا تُختبر سيادتها، ولا يُساوَم على حدودها، ولا تُقرأ مواقفها على أنها تردد.
هذه لحظة وضوح.
فإما أن نكون دولة تفرض احترامها،
أو نترك الآخرين يقررون كيف تُقرأ إشاراتنا.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *