مقالات

ما بعد الضربة: صراع البقاء وإعادة رسم ميزان الإقليم

نشامى الاخباري – بقلم نانسي السيوري

في اللحظات التي تُستهدف فيها قمة السلطة، لا يكون الحدث أمنيًا فحسب، بل اختبارًا وجوديًا لبنية الدولة. استهداف رأس النظام ليس مجرد محاولة إيلام سياسي، بل محاولة كسر مركز القرار وقياس ما إذا كانت الدولة كيانًا مؤسساتيًا قادرًا على امتصاص الصدمة، أم هيكلًا هشًا يرتبط بقائد واحد. دراسات صادرة عن RAND Corporation حول ما يُعرف باستراتيجية “قطع الرأس” تشير إلى أن اغتيال القادة لا يؤدي تلقائيًا إلى انهيار الدول، بل قد يعزز التماسك إذا كانت المؤسسات فاعلة وقادرة على نقل القرار. كما تناقش تحليلات Council on Foreign Relations أن قدرة الدولة على الاستمرار بعد الضربة تحوّلها من محاولة حسم سريع إلى بداية حرب استنزاف طويلة.
حين تثبت المؤسسة قدرتها على العمل رغم الصدمة، تتجاوز الرسالة حدود الداخل: الدولة ما زالت تعمل. عند هذه النقطة يتغيّر تعريف الصراع. لم يعد السؤال: من يضرب بقوة أكبر؟ بل: من يصمد أطول؟ من يستطيع إدارة الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية دون أن يتفكك داخليًا؟
في نمط الاستنزاف، لا تبقى المواجهة محصورة في ساحة واحدة. هناك ثلاث ساحات مترابطة تتحرك معًا: إسرائيل عسكريًا، الوجود والقواعد الأمريكية في الإقليم، واقتصاد الطاقة العالمي. أي تصعيد في واحدة منها ينعكس فورًا على الأخريين. تقارير International Energy Agency تؤكد أن أسواق الطاقة شديدة الحساسية لأي اضطراب في الشرق الأوسط، فيما يربط International Monetary Fund بين ارتفاع أسعار النفط وزيادة الضغوط التضخمية عالميًا، ما يضيّق هامش المناورة أمام الحكومات والبنوك المركزية.
العقدة الأخطر أن هذا المشهد يجري فوق ملف نووي حساس، في بيئة يسودها الغموض وتُبنى القرارات فيها على أسوأ الاحتمالات. تشير تقارير International Atomic Energy Agency إلى تعقيدات التحقق والرقابة في سياقات التوتر، حيث يمتزج البعد الفني بالسياسي، ويصبح خطر سوء التقدير قائمًا بذاته. في مثل هذه البيئة، قد تتحول شرارة محدودة إلى تصعيد واسع بفعل الحسابات الوقائية المبالغ فيها.
ومع إطالة أمد الصراع، تبدأ التحولات الجيوسياسية بالظهور بوضوح. ارتفاع أسعار الطاقة يمنح موسكو متنفسًا ماليًا، بينما يزداد انشغال واشنطن في الإقليم، ما يفتح هامشًا أوسع لبكين لتعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي. تقارير World Bank حول التحولات في سلاسل الإمداد تشير إلى أن فترات الاضطراب الجيوسياسي تُسرّع إعادة تموضع مراكز الثقل المالي وتدفع باتجاه تقليل الاعتماد المتبادل بين الكتل الكبرى.
إثبات الاستمرارية في طهران يعني عمليًا أن كسر القمة لا يعني كسر الدولة. وهذه لحظة إعادة تعريف لسقف الحرب: من مواجهة ردود فعل متبادلة، إلى صراع على قواعد المجال بعد الصدمة. من ينجح في تحويل الكلفة إلى أداة ردع؟ من يمنع خصمه من استثمار الاستنزاف سياسيًا؟ ومن يحافظ على تماسك جبهته الداخلية فيما الخارج يشتعل؟
إنها حرب صبر بقدر ما هي حرب نار. صراع على الزمن، وعلى الأعصاب، وعلى قدرة المؤسسات على العمل تحت الضغط الأقصى. الضربة الأولى قد تغيّر الإيقاع، لكنها لا تحسم النتيجة. الحسم سيكون لمن يدير ما بعد الضربة بكفاءة، ويخرج من الاستنزاف وقد أعاد رسم ميزان الإقليم بشروطه.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *