
الانغلاق..لا الهوية كفضاء رحب نقافيا وتاريخيا
نشامى الاخباري _ شيرين قسوس
إن ما نشهده اليوم في جغرافيا الشرق يمثل التجسيد الأقسى لهذا الانغلاق؛ حيث لم تعد الهوية فضاءً رحباً يضم تفاصيل الإنسان الثقافية والتاريخية، بل جرى اعتصارها قسراً لتستقر في قالب ضيق لا يتجاوز حدود المعتقد أو الطائفة. في هذه البقعة من العالم، يُسأل الفرد عن طائفته قبل اسمه، ويُصنف انتماؤه بناءً على موروث لم يغتره، وكأن الروح البشرية قد اختُزلت في خانة مذهبية واحدة تلغي ما عداها.
هذا الاختزال ضيق الأفق يحول الجار إلى غريب، والشريك في الوطن إلى خصم محتمل، لمجرد اختلاف في تأويل نص أو ممارسة طقس. إن خطورة هذا الواقع تكمن في أن الإنسان عندما يُجبر على تعريف نفسه من خلال طائفته فقط، فإنه يفقد تدريجياً صلته بالقيم الإنسانية الكبرى، ويصبح أسيراً لولاءات عمياء تقتات على ذاكرة الصراعات الماضية بدلاً من التطلع إلى مستقبل مشترك.
إنها حالة من “التحجير” للهوية، حيث تُنزع عن الفرد صفاته كعامل، أو فنان، أو مفكر، أو محب، لتُلبس ثوباً طائفياً وحيداً يصبح هو المعيار الوحيد للقبول أو الرفض. هذا الواقع لا يقتل التنوع فحسب، بل يغتال إمكانية الحوار، ويحول المجتمعات إلى جزر معزولة من الكراهية الصامتة التي تنتظر شرارة لتنفجر. إن الخروج من هذا المأزق يتطلب شجاعة الاعتراف بأننا، قبل كل شيء، كائنات متعددة الأبعاد، وأن أي محاولة لحصرنا في زاوية مذهبية ضيقة هي في الحقيقة إعدام لثراء الوجود الإنساني كما أن حصر الوجود الإنساني في ثقب إبرة مذهبي هو نوع من “العدمية المقنعة”؛ لأنه يفرغ الحياة من تنوعها الوجودي ويحول الثراء البشري إلى صحراء من التشابه القسري. إن الهوية الحقيقية هي تلك التي تجرؤ على عبور الحدود، التي تدرك أن “الأنا” لا تكتمل إلا بـ “الأنت” المتعدد والمختلف، وأن كل محاولة لتقديس الانغلاق ليست إلا خوفاً بدائياً من شساعة الحرية.
هنا يبرز دور الفن والثقافة ليس كترفٍ فكري، بل كفعل مقاومة وجودي يكسر تلك القوالب الصماء. إن الفن، بطبيعته، هو العدو اللدود للتعريفات الأحادية؛ إنه اللغة التي ترفض أن تُسجن في طائفة أو تُختزل في مذهب، لأنه يخاطب “الإنسان الكامن” خلف الأقنعة الأيديولوجية.
في واقعنا الشرقي المثقل بالهويات الضيقة، تأتي الرواية، واللوحة، والموسيقى، لتعيد بناء ما هدمته السياسة:
الفن كجسر عبور: حين نقرأ رواية لكاتب من خلفية مغايرة، أو نستمع إلى ألحان نابعة من وجدان آخر، نحن لا نستهلك محتوى جمالياً فحسب، بل نمارس عملية “حلول” في الآخر. الفن يمنحنا القدرة على رؤية العالم بعيون “الخصم” المفترض، فتذوب الحدود الوهمية وتنكشف هشاشة الصراعات الطائفية أمام شساعة الألم والأمل البشري المشترك.
الثقافة كمرآة للتعدد: الثقافة الحقيقية هي التي تذكرنا بأن “الأنا” ليست صافية عرقياً أو مذهبياً، بل هي طبقات من التراكمات الحضارية. السينما والمسرح، على سبيل المثال، يفككان “النمط” الجاهز؛ فالبطل ليس مجرد “ابن طائفة”، بل هو إنسان يحب، ويخاف، ويهرم، وينكسر. هذا التجسيد الإنساني هو الترياق الوحيد ضد “الشيء” الذي تحاول الأيديولوجيا تحويلنا إليه.
الإبداع كفعل حرية: إن الإبداع هو اللحظة التي يتمرد فيها الفرد على “القطيع”. الفنان هو الشخص الذي يرفض أن يكون صدى لصوت الجماعة، فيخلق صوته الخاص. وبقدر ما تتعدد الأصوات الحرة، تضعف قبضة الهويات القاتلة؛ فالاستبداد الهوياتي يتغذى على التشابه، بينما يتغذى الإبداع على الاختلاف.
إننا بحاجة إلى ثقافة “هجينة” تفتخر بتعدد روافدها، وفنٍ يجرؤ على تدنيس المحرمات التي وضعتها الجدران الطائفية. فالموسيقى لا تسأل عن مذهب العازف، والقصيدة لا تبحث عن طائفة القارئ؛ إنهما يحرراننا من ضيق “النحن” القبلية إلى رحابة “النحن” الإنسانية.




