مقالات

العظامات يكتب: الأردن أولاً… حين يسمو الوعي الوطني وتتحطم أمواج الصراع على صخرة الوطن

نشامى الاخباري _ عروة العظامات

في خضم إقليمٍ تموجُ مياهه بالتحولات، وتشتعل أطرافه بأزماتٍ متلاحقة، يقف الأردن ثابتاً كعادته، لا منجرفاً مع العواصف، ولا منساقاً خلف الانفعالات. فالأردن لم يكن يوماً ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لتمرير صراعات الآخرين، بل كان—وما يزال—دولة قرارٍ سيادي، تحكمه مصلحته الوطنية أولاً وأخيراً.

وفي لحظة كهذه، تتباين الآراء وتختلف القراءات، وهو أمرٌ طبيعي في مجتمعٍ حيٍّ نابضٍ بالحوار. غير أن ما يستدعي التوقف والتأمل، هو وجود من يحاول—بوعيٍ أو بدونه—دفع الأردن إلى الانجراف في خضم هذه الأزمات، وإقحامه في أتون الاستقطاب الإقليمي المتصاعد. ثمة من يود أن يرى المملكة جزءاً من معادلة صراع لا تخدم أولوياتها، أو طرفاً في جدلٍ تتجاوز تعقيداته حدود الشعارات والمواقف العاطفية.

لكن الأردن أكبر من أن يُختزل في موقفٍ انفعالي، وأعمق من أن يُجرَّ إلى مربعات لا تنسجم مع ثوابته. فالدولة التي راكمت خبرةً سياسية ودبلوماسية عبر عقود، تدرك أن الانجراف خلف الضجيج قد يُكسب تصفيقاً آنياً، لكنه قد يُرتب أثماناً استراتيجية باهظة. ومن هنا، فإن الحصافة تقتضي أن تبقى البوصلة متجهة نحو مصلحة الوطن، لا نحو محاور الاستقطاب.

إن التعبير عن الرأي حقٌ مشروع، بل هو علامة صحة في أي مجتمع. غير أن هذا الحق يقترن بمسؤولية وطنية تُحتِّم ألا يتحول النقاش إلى حالة اصطفاف حاد، أو خطاب يثقل كاهل الدولة في توقيتٍ دقيق. فالأردن، بحكم موقعه ودوره، يتعامل مع الملفات الإقليمية بحسابات دقيقة، ويزن خطواته بميزان الدولة لا بمنطق العاطفة.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى وعيٍ جمعي يُدرك أن قوة الأردن في تماسك جبهته الداخلية، وأن استقراره هو رأس ماله الحقيقي في منطقةٍ مضطربة. فليست البطولة في رفع الصوت، بل في حماية البيت من الداخل. وليست الحكمة في الانخراط في كل جدل، بل في اختيار الموقف الذي يحفظ للدولة هيبتها ولمواطنيها أمنهم.

إن الالتفاف حول القيادة الهاشمية، والثقة بقرارات الدولة العليا، ليس موقفاً عاطفياً، بل خياراً استراتيجياً يعبّر عن إدراك عميق لطبيعة المرحلة. فالدولة تمتلك أدواتها ومعلوماتها وقنواتها، وتدير علاقاتها الإقليمية والدولية وفق معادلة دقيقة عنوانها: الأردن أولاً.

فلنحذر أن نكون جسراً تعبر منه أزمات الآخرين إلى ساحاتنا. ولنُفشل كل محاولة لجرّ الوطن إلى زوايا الاستقطاب أو تحميله ما لا طاقة له به. فالأردن ليس ساحة اختبار لمواقف متطرفة، ولا ميداناً لتصفية الحسابات، بل قلعة استقرارٍ وصوت اعتدالٍ في محيطٍ مضطرب.

حين تتكسر الأمواج على صخرة الأردن، فذلك لأن في هذا الوطن شعباً واعياً يعرف أن أمنه ليس تفصيلاً، وأن وحدته ليست خياراً، وأن استقراره خط أحمر لا يُسمح بالاقتراب منه.

الأردن فوق كل اعتبار… وسيبقى كذلك ما بقي أبناؤه على قلب رجلٍ واحد، يضعون مصلحته فوق كل اصطفاف، ويحرسون جبهته الداخلية بعقلٍ راجح وإرادةٍ لا تلين.

حفظ الله الأردن آمناً مستقراً، وأدام عليه نعمة الحكمة والوحدة.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *