مقالات

اكتظاظ مراكز الإصلاح في الأردن… من يتحمل مسؤولية الخلل في المنظومة؟

نحو 28 ألف نزيل مقابل طاقة استيعابية تبلغ 14 ألفاً… أسئلة صعبة عن التوقيف وبدائل العقوبات ومسؤولية الحكومة

نشامى الاخباري _  اللواء المتقاعد طارق عبدالمحسن الحباشنة ماجستير إدارة استراتيجية

عندما تضم مراكز الإصلاح والتأهيل في الأردن 27,817 نزيلاً، مقابل طاقة استيعابية تبلغ 14,024 نزيلاً، وبنسبة إشغال تقارب 198%، فإننا أمام مشكلة تتجاوز عدد المباني والغرف والأسرة. هذه الأرقام، التي عُرضت أمام لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان النيابية، تفرض سؤالاً واضحاً: لماذا وصلنا إلى هذا المستوى من الاكتظاظ، وما الخطة العملية لمعالجته؟

ولم يعد الاكتظاظ مجرد أرقام تكشفها التقارير؛ فقد أقرّ وزير الداخلية مازن الفراية، في مقابلة صحفية بتاريخ 4 تشرين الأول 2026، بأن نسبة إشغال مراكز الإصلاح تجاوزت 200% من طاقتها الاستيعابية، مشيراً إلى بدء استخدام بدائل التوقيف وتشكيل لجان لمعالجة المشكلة. وهذا يضعنا أمام سؤال مشروع: ما الذي تحقق فعلياً حتى الآن؟ وما الجدول الزمني لتخفيف الاكتظاظ؟ فالإقرار بالمشكلة خطوة مهمة، لكن مسؤولية الحكومة تكتمل بتحويل الإجراءات واللجان إلى نتائج ملموسة يستطيع المواطن أن يراها ويقيّمها.

المساءلة الحقيقية ليست في عدد السجون التي نبنيها، بل في قدرتنا على تفسير أسباب امتلائها، ومعالجة الخلل، وقياس النتائج.

أولاً: التوقيف الإداري ليس رقماً عابراً

أعلنت وزارة الداخلية في الرابع من تشرين الأول 2026 الإفراج عن 442 موقوفاً إدارياً، بعد مراجعة ملفاتهم وتقدير كفاية مدد توقيفهم. كما أظهر تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان أن عدد الموقوفين إدارياً خلال عام 2025 بلغ 22,620 شخصاً، مقارنة بـ20,437 في عام 2024.

وهذه أرقام سنوية، وليست عدد الموقوفين في وقت واحد، لكنها تستدعي مراجعة جدية لسياسات التوقيف الإداري. فمن الضروري نشر بيانات واضحة عن أسبابه ومدده وآليات مراجعته، بما يحقق حماية المجتمع ويحفظ حقوق الأفراد. فالمطلوب ليس إلغاء الإجراءات الوقائية، بل ضمان استخدامها بالقدر الضروري ومراجعتها بصورة منتظمة.

ثانياً: التوقيف القضائي يحتاج إلى مراجعة أداء المنظومة

يجب التمييز بين الموقوف الذي لم يصدر بحقه حكم قطعي، والمحكوم الذي ينفذ عقوبته؛ فلكل حالة طبيعتها وإجراءاتها. كما أن احترام استقلال القضاء مبدأ أساسي لا يجوز المساس به.
لكن استقلال القضاء لا يمنع مراجعة أداء المنظومة ككل، بما يشمل سرعة إنجاز القضايا، ومدد التوقيف، ومدى الاستفادة من البدائل التي يسمح بها القانون. فالمطلوب ليس التدخل في قرارات القضاة، بل التأكد من أن الإجراءات تحقق العدالة وتحمي المجتمع، دون أن يتحول التوقيف إلى عبء إضافي على المراكز والأفراد.

ثالثاً: البدائل موجودة، لكن أين النتائج؟
يتيح التشريع الأردني بدائل للعقوبات السالبة للحرية، منها الخدمة المجتمعية، وبرامج التأهيل والعلاج، والمراقبة الإلكترونية، ضمن الشروط القانونية المقررة. لكن وجود النصوص وحده لا يكفي.
المطلوب نشر أرقام دورية توضح عدد الأحكام البديلة، وما نُفذ منها فعلياً، وأسباب التأخير، ومدى الالتزام بها، وأثرها في تخفيف الاكتظاظ والحد من تكرار الجريمة. فنجاح البدائل لا يُقاس بعدد القرارات الصادرة، بل بقدرتها على تحقيق العدالة والإصلاح وتقليل الكلفة على الدولة والمجتمع.

رابعاً: من المسؤول عن الخطة الشاملة؟
تشير الأرقام إلى أن 13,683 نزيلاً مرتبطون بقضايا المخدرات. وهذا الرقم يجعل الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل جزءاً أساسياً من أي حل جاد، إلى جانب تطبيق القانون.
المسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية بالداخلية والعدل والصحة والتنمية الاجتماعية والعمل والتعليم، لكنها تحتاج إلى قيادة حكومية واضحة تنسق الجهود وتحدد مسؤوليات كل جهة. والمطلوب خطة بأهداف زمنية معلنة، ومؤشرات تقيس انخفاض الاكتظاظ وتحسن التأهيل وفرص العودة إلى المجتمع والعمل. كما يجب أن يعرف المواطن ما تحقق، وما تعثر، ومن يتحمل مسؤولية التأخير.

إن المشكلة ليست في تحميل جهة واحدة كامل المسؤولية، بل في أن تؤدي كل جهة واجبها، وأن تتحمل الحكومة مسؤولية التنسيق ومتابعة النتائج. فاستقلال القضاء لا يمنع تقييم السياسات والإجراءات، ومتطلبات الأمن لا تعني إغفال ضمانات الحرية والعدالة. والمساءلة الحقيقية تبدأ بالأرقام الموثقة، وتستمر بخطة واضحة، وتنتهي بنتائج يستطيع المواطن أن يلمسها.

وعليه، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه على الحكومة ليس: كم نزيلاً تستطيع مراكز الإصلاح استيعابه؟ بل: لماذا وصلنا إلى هذا العدد، وما الخطة التي ستخفضه، ومن المسؤول عن تنفيذها، ومتى سيُحاسَب المقصر؟ فبناء مراكز جديدة قد يخفف الضغط مؤقتاً، لكنه لا يعالج وحده أسباب المشكلة. أما الحل المستدام، فيبدأ بمنع الجريمة، وتحسين إجراءات التوقيف والمحاكمة، وتفعيل البدائل القانونية، وتوسيع برامج العلاج والتأهيل. وهذه مسؤولية وطنية لا يجوز أن تضيع بين المؤسسات أو أن تبقى بلا نتائج قابلة للقياس.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *