
سراب التحديث وخديعة الرؤية
نشامى الاخباري _ شيرين قسوس
إن ما نشهده اليوم ليس سوى حفلة تنكرية كبرى، حيث يرتدي العجز قناع “الاستراتيجية”، ويتحول الفشل إلى “رؤية” تُتلى في المحافل بقداسة زائفة. إن هذا الضجيج المؤسسي حول التحديث ليس إلا محاولة بائسة لترميم واجهة منزل ينهار أساسه، فالكلمات المنمقة والخطب العصماء التي تملأ القاعات الفارهة لا تعدو كونها “مكياجاً” ثقيلاً يوضع على وجه الحقيقة الشاحب. إننا أمام حالة من الاستعراض الأجوف، حيث يُحتفى بالخطة قبل ولادتها، ويُصفق للمشروع قبل أن يلامس التربة، في تكريس فج لثقافة “الورق” التي تقتات على تزييف الوعي وتجميل القبح الإداري.
إن التشدق بالتطوير في ظل بنية تحتية متهالكة ليس مجرد سذاجة، بل هو جريمة فكرية وتنموية مكتملة الأركان؛ فلا يمكن لكيان أن يحلم بالتحليق وهو يرسف في أغلال مرافق مهترئة وعقول مكبلة ببيروقراطية العصور الوسطى. إن أي حديث عن النهضة التكنولوجية أو التحول الرقمي يظل هراءً محضاً ما لم يرتكز على قاعدة صلبة من البناء التحتي الحقيقي؛ ذاك الذي لا يُرى في الصور، بل يُلمس في كفاءة الشارع وجودة الخدمة وصلابة المنشأة. إن بناء ناطحات سحاب من الكلمات فوق رمال متحركة من البنية المتهالكة هو قمة العبث، وإهدار للموارد في سبيل صناعة “وهم” سرعان ما يتبخر عند أول اختبار للواقع.
لقد أصبح “التطوير” مجرد مسرحية بائسة، بطلها الكاميرا وجمهورها النفاق؛ حيث تُلخص الإنجازات في “فلاش” تصوير وزاوية إضاءة خادعة، وتتحول الزيارات الميدانية إلى طقوس استعراضية تفرغ المضمون من جوهره. إن هذا الانغماس في فخ “الإنجاز الكاذب” خلق طبقة من الموظفين والمسؤولين الذين يتقنون فن “تنميق الفراغ”، فيعرضون الصور والتقارير الملونة كأنها فتوحات عظيمة، بينما الواقع خلف الكادر يئن من الإهمال والخراب. إنه نفاق مؤسسي بامتياز، يقدس “اللقطة” ويهمش “اللقمة”، ويبيع للناس سراباً مغلفاً بابتسامات بروتوكولية لا تسمن ولا تغني من جوع.
فلسفياً، نحن نعيش “أنطولوجيا الكذب”، حيث الوجود المؤسسي مشروط بالظهور لا بالفعل، وقد استبدلنا “الإرادة” بـ “الإدارة”، واستعضنا عن “الإنجاز” بـ “التقرير”. إن هذا النفاق الوظيفي يعكس أزمة وجودية عميقة، فنحن نقدس الصورة لأننا نخشى مواجهة الفراغ الذي خلفها. إنها فلسفة “العدم المغلف بالوعود”، حيث يصبح المسؤول سجيناً لمشهد يدرك هو نفسه زيفه، لكنه يضطر للاستمرار في تمثيله للحفاظ على ديمومة الوهم. هذا الجمود المغلف بالحركة هو أخطر أنواع الموت السريري للمجتمعات، لأنه يقتل الأمل بالتدريج، ويحول الطاقات المبدعة إلى تروس في آلة صدئة لا تنتج سوى السراب.
أما الإعلام، فقد تحول إلى “ملمّع الواجهات” الذي يجمّل الفراغ ويشرعن العدم، مكرساً حالة من الانفصال عن الواقع تجعل المواطن يشعر باغتراب مزدوج عن مؤسساته التي لا تشبهه، وعن حقيقته التي تُنكرها شاشات التلفاز. إن هذا الانحدار نحو “التطوير الشكلي” هو اعتراف مضمر بالعجز عن المواجهة الجادة؛ فمن يعجز عن إصلاح الصنبور يقرر كتابة معلقة في سحر الماء. إننا لا نحتاج إلى خطط جديدة بقدر ما نحتاج إلى خجل مؤسسي يعيد الاعتبار للكفاءة، ويضع حداً لهذا الهراء الذي يُباع لنا كإنجازات تاريخية، بينما هو في الحقيقة ليس أكثر من إعادة تدوير للفشل بأسلوب أكثر وقاحة وأناقة، فالاستمرار في هذا النهج يعني المضي قدماً نحو هاوية لا يستر عمقها بريق الشعارات.




