مقالات

محيسن يكتب: ذكرى سنوات القنص2

نشامى الاخباري _ محمد محيسن

مرة كالعلقم، عكرة كالنفط الخام، قاتمة كسواد هذا الليل المقطع بالقصف
مضت سنون القنص الأولى، وما زال القناص في مكانه، يبدل بندقيته ببساطة قاتل محترف، ويعيد المشهد كما هو:
صرخات الأمهات الثكالى، دم لم يجف بعد، وطفل يُنتشل من تحت الركام بلا رأس، أو بلا اسم.
دم لم يجف ما زال يصرخ: “أنا هنا!”، ودم آخر يتهيأ ليراق تحت شمس لا تستحي،
وجثث توسلت القاتل ألا يهينها بعد الموت،
لكن القاتل لا يسمع، ولا يرى،
ينتظر فقط ضوءًا أخضر جديدًا من مكان بعيد، ودولارات حديدة تتدفق
ليغسل يديه في دم جديد، ثم يعلن بوقاحة أن “الديمقراطيات” الكبرى تسانده،
لأنها لا تفرق بين الإنسان والرماد،
ولا ترى في الفلسطيني سوى رقم قابل للإزالة.
مرّت سنوات، تدان فيها الضحية من جديد،
ليس لأنها قاومت الاحتلال،
بل لأنها رفضت أن تُقتل بصمت،
رفضت أن تموت في الوقت المقرر لها على رزنامة القصف.
وها هي اليوم تُقتل من جديد، لأنها اختارت “رفح” ملاذًا آمنًا،
فصارت مقبرة جماعية بلا سقف،
ولا شهود.
أما دعاة “الإنسانية” فواصلوا إنكارهم،
وتفننوا في إنتاج مصطلحات جديدة
تحول المجازر إلى “دفاع عن النفس”،
وتجعل من غزة “شأنًا داخليًا إسرائيليًا”،
كأننا نُباد على هامش العالم،
لا في قلبه.
ونحن…
نحن المواطنون الذين أفرغونا من كل حنين،
نعترف:
لم نعد نغني لأمجاد العرب، بل نُجبر على ذلك في النشرات والاحتفالات الرسمية.
لم نعد نصدق أن هذه الأمة “حية”،
فقلوبها تحجرت أكثر من الصخور، فالصخر ينبت به بعض الورد احيانا
وأعينها لا ترى إلا ما تعرضه الشاشات الممولة.
نحتاج اليوم إلى تحليل دقيق لهذا الدم،
بعد أن فقد المناعة، وفقد الصرخة.
بات بارداً أكثر من اللازم،
بارداً كالبيانات الدولية،
كالصمت العربي،
كعواصم تتفرج، وتساوم.
في غزة، لا وقت للخيال.
الأجساد التي تُجمع من تحت الأنقاض لا تحتمل البلاغة،
ولا تحتمل الصمت أكثر.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *