
المصري يكتب: تقييم واقع أداء البلديات في الأردن / قراءة نقدية واستشراف لمسارات الاصلاح
نشامى الاخباري _محمد أحمد المصري
تعد البلديات في الأردن جزءا أساسيا م الإدارة المحلية, وتلعب دورا محوريا في تقديم الخدمات للمواطنين وتعزيز التنمية المحلية وحكم الشعب للشعب, حيث ان دور البلديات لا يختصر على تقديم الخدمات التقليدية ك ( منح التراخيص, فتح وتعبيد الشوارع, والنظافة ) بل ان البلديات تسهم بشكل كبير في تحسين البنية التحتية وتنمية المدن وتعزيز الحوكمة والتعليم والصحة أيضا, فقد أفتقرت بلديات الأردن من مواكبة اهم الممارسات الإقليمية في التميز بالعمل البلدي, وأنتقلت من مؤسسات تدفع عجلة التنمية المستدامة في المدن الى ديوان عشائري وترضيات وبعض الخدمات التي لا ترتقي بمستوى العمل البلدي.
نضع بين ايديكم ورقة تقييم حول واقع أداء البلديات في الأردن كقراءة نقدية واسشرافا لمسارات الإصلاح في قطاع الإدارة المحلية والبلديات على وجه الخصوص
حيث تواجه البلديات في الأردن العديد من المشكلات والتحديات التي وجب الوقوف عندها للاستمرار برؤى تحديث القطاع العام بشكل يتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة ويلمس احتياجات المواطنين ويحقق امالهم, فقد أتت هذه الدراسة الى تحليل واقع أداء البلديات في الأردن و لبيان اهم المحددات التي تحد من أداء البلديات واليكم أبرزها :
1) هيمنة المركزية في اتخاذ القرارات, رغم اعتماد سياسة اللامركزية : في ظل تعريف البلديات في الأردن على أنها “مؤسسات أهلية مستقلة ماديا واداريا” نرى تناقضا وفجوة واضحة في ضعف استقلالية البلديات عن وزارة الإدارة المحلية وبالرغم أن قانون البلديات رقم (٤١) لسنة ٢٠١٥ المادة (٣) أشار الى منح البلديات كما ذكرنا سابقا شخصية اعتبارية واستقلالا ماليا واداريا, الا ان الممارسة العملية تكشف وتبرهن تبعية كبيرة لوزارة الإدارة المحلية في اتخاذ القرارات المالية والإدارية مثل ( تعيين موظفين دون موافقة الوزارة, استحداث دوائر جديدة او ادخال تكنولوجيا دون الرجوع للإدارة المركزية, اجراء مناقصات كبرى او توقيع اتفاقيات توأمة مع بلديات خارجية الا بموافقات بيروقراطية معقدة, وغيرها الكثير) وعند التطرق لمثال على ذلك نجد ان بلدية الزرقاء الكبرى تلك البلدية مليونية السكان, لم تتمكن من توقيع اتفاقية تطوير البنية التحتية مع شركة خاصة دون الحصول على موافقة الوزارة, ما أدى الى تأخير المشروع ٩ أشهر.
2) تداخل الصلاحيات بين المجالس البلدية والمجالس التنفيذية في المحافظات : وفقا لقانون اللامركزية رقم ٤٩ لسنة ٢٠١٥ الذي تم تعديله لاحقا في عام ٢٠٢١, تم انشاء مجالس المحافظات ولكن لم يتم الفصل الواضح بين صلاحياتها وصلاحيات المجالس البلدية فيما يتعلق بأدلة الاحتياجات والمشاريع ذات اختصاص البلديات, مما خلق تضاربا في المسؤوليات, حيث تأتي المادة (٤) من قانون اللامركزية لعام (٢٠١٥) “تنشأ في كل محافظة مجلس محافظة يشارك في اعداد الخطط ومتابعة تنفيذ المشاريع” الا انه لم يحدد القانون بدقة العلاقة بين المجلس البلدي والمجلس التنفيذي ومجلس المحافظة فيما يتعلق بهذه الجزئية, ما أدى الى تضارب وتكرار في الأدوار, ففي محافظة اربد تقدم المجلس البلدي ومجلس المحافظة كلًّ بخطة منفصلة لتطوير شبكة الطرق, ما أدى الى ازدواجية الانفاق ورفض وزارة التخطيط والتعاون الدولي تمويل أي من الخطتين لغياب التنسيق.
3) تقييد البلديات في الاستثمار : رغم ان بعض القوانين تسمح للبلديات بعقد شراكات مع القطاع الخاص, الا ان الإجراءات البيروقراطية ومحدودية الصلاحيات للمجالس تحول دون ذلك, فقد أتت المادة (٤٠) من قانون البلديات “يجوز للبلدية الدخول في شراكات مع القطاع الخاص وفق الأنظمة والتعليمات المعتمدة” فنرى ان المشكلة العملية هي غياب الأنظمة التنفيذية الواضحة وطول إجراءات الحصول على الموافقات من الوزارة, فهنا نستذكر بلدية مأدبا الكبرى عندما تقدمت باقتراح إقامة سوق شعبي بالشراكة مع شركة خاصة لرفع الإيرادات وتوفير فرص عمل لابناء محافظة مأدبا, ولكن المشروع تعطل بسبب عدم وضوح تعليمات وزارة الإدارة المحلية المتعلقة بالشراكات.
4) غياب مرجعية تشريعية موحدة : تعمل البلديات في الأردن وفق مزيج من القوانين ( البلديات, اللامركزية, المشتريات, الاشغال, وغيرها ) دون وجود اطار تشريعي موحد ومتكامل يوضح الصلاحيات والعمليات بوضوح وهنا نتطرق الى مثال حي واجه بلدية جرش الكبرى بصعوبة تنفيذ مشروع صيانة شبكات تصريف المياه بسبب تضارب الصلاحيات بينها وبين وزارة الاشغال, فبقي المشروع متوقفا رغم توفر التمويل.
5) التحديات المالية : عند التطرق الى التحديات المالية للبلديات لا يسعنا الا ذكر محدودية الإيرادات الذاتية مقابل زيارة الانفاق التشغيلي, فان اعتماد البلديات بنسبة كبيرة على الدعم الحكومي المركزي وضعف اليات التحصيل المالي من اهم مسببات ضعف القدرة المالية للبلديات, فان أردنا الإشارة الى تلك المسببات كلًّ على حدى فنجد ما يلي :
* فان اعتماد البلديات بنسبة كبيرة على الدعم الحكومي المركزي جاء بسبب ضيق الفرص الاستثمارية المباشرة للبلديات وعدم توفر الكفاءات البشرية فيما يتعلق بجوانب استقطاب التمويل الأجنبي وكتابة مقترحات المشاريع التنموية وعدم تبني البلديات لاي استراتيجية واضحة لتشجيع الاستثمار داخل حدود البلدية, فقد واجهت الكثير من البلديات تأخر الموافقات البيروقراطية للكثير من مذكرات التوأمة والتمويل الأجنبي لبعض المشاريع وتضيّق الطرق امام المستثمرين الراغبين في الاستثمار داخل حدود البلديات.
* أما فيما يتعلق بضعف اليات التحصيل المالي فيقع أولا لضعف اقسام الرقابة والتفتيش داخل الكثير من البلديات, وثانيا لاهدافا متعلقة لارضاء القواعد الانتخابية.
أما عند التطرق للتحديات الإدارية والمؤسسية المتعلقة باليات التميز المؤسسي المتبعة وأنظمة الموارد البشرية في البلديات الأردنية نرى الكثير من المسببات التي أدت الى الترهل الإداري والمالي, مما أدى الى ضعف الأداء العام للبلديات في المملكة وهنا نسلط الضوء الى ابرزها :
6) الترهل الإداري وتضخم الهيكل التنظيمي : ومن اهم المسببات لذلك غياب التخطيط الوظيفي وعدم وجود توصيف وظيفي دقيق بالإضافة الى التعيينات التي تعود غالبا لاسباب اجتماعية او سياسية خاصتا في البلديات الصغيرة وعدم وجود معايير موضوعية لتحديد الحاجة للوظائف الجديدة التي يحتاجها الهيكل التنظيمي للبلدية, فعند الإشارة الى احدى البلديات في شمال محافظة اربد والتي تضم نحو (٩٥٠) موظفا, رغم ان الحاجة الفعلية بحسب الهيكل التشغيلي لا تتجاوز (٦٠٠) موظف, هذا أدى الى زيادة النفقات التشغيلية (الرواتب), مقابل ضعف الخدمات مما أثر على ضعف الإنتاجية وعدم قدرة البلدية على استحداث اقسام ذات ضرورة ملحة مثل (التحول الرقمي) بسبب تكدس الموظفين في وظائف غير مختصة.
7) غياب واضح لنظم الحوكمة الداخلية والرقابة والتقييم : حيث ان اهم المسببات لذلك عدم وجود برامج تدريبية متخصصة في الكثير من البلديات لقسم الرقابة الداخلية مما أدى الى ضعف تطبيق اقسام الرقابة الداخلية لمهامه, كما ان ضعف اعداد تقارير الأداء بشكل منتظم كان له الأثر الكبير في ذلك, حيث ان معظم البلديات لا تعتمد تفعيل مؤشرات الأداء, فعند الإشارة الى مثالا واقعيا لذلك نرى ان بلدية المفرق الكبرى نفذت مشروعا لتعبيد الطرق في اطراف حدود البلدية, ليتبين لاحقا ان ٣٠٪ من الشوارع المشمولة لم تكن بحاجة فعلية, بحسب تقرير ديوان المحاسبة, ما كشف عن خلل في اليات التقييم والمراجعة قبل الصرف وغيابا واضحا للدراسات المتخصصة بذلك مما أثر على ضعف الشفافية والمساءلة وهدرا في الموارد.
8) ضعف الثقافة المؤسسية والتحفيز المهني : وذلك لغياب الرؤية المؤسسية المشتركة وضعف التواصل الداخلي بين الإدارات والاقسام, فقد تبين في استطلاع أجري عام ٢٠٢٢ في بلدية الكرك الكبرى أن ٦٥٪ من الموظفين “لا يشعرون بان لهم دورا مؤثرا” في نجاح البلدية, و ٧٢٪ لا يتلقون أي تغذية راجعة على أدائهم, ما يوضح تدني الثقافة المؤسسية.
عدا عن ضعف البنى الرقمية في البلديات وعدم قدرة الكثير من المواطنين في المدن الأردنية الصغيرة من التعامل مع بعض الأنظمة الرقمية, وكذلك عزوف القطاع الخاص من العمل مع البلديات بسبب مديونية البلديات وعدم توفر السيولة المالية لدى بنك تنمية المدن والقرى مما يسبب تأخر مطالباتهم بمدد طويلة قد تمتد الى سنوات, وعدم انتشار ثقافة اشراك المجتمع المحلي وأصحاب المصالح في عملية صنع القرار فالكثير من البلديات لا تقوم بتبني اليات واضحة لاشراك أصحاب العلاقة في عملية صنع القرار والمساندة المجتمعية المتخصصة عند حاجة البلديات لذلك مما أدى الى ضعف رضا المواطنين عن أداء المجالس البلدية.
تظهر الدراسة ان البلديات في الأردن تقف عند مفترق طرق حاسم بين الاستمرار في مواجهة تحديات متراكمة, او الشروع في إصلاحات جادة وشاملة تمكنها من أداء دورها الحيوي في التنمية المحلية, فقد كشفت التحديات القانونية والتنظيمية والمؤسسية عن فجوة واضحة بين النصوص والممارسة, بينما أبرزت العقبات الإدارية والمؤسسية والموارد البشرية حجم التحدي في بناء جهاز بلدي فعال.
في المقابل, تؤكد التجارب الإقليمية مثل التجربة الامارتية ان النجاح في إدارة العمل البلدي ليس حكرا على الموارد المالية فحسب, بل هو نتاج رؤية واضحة وتمكين تشريعي, وتحفيز اداري واستثمار في الانسان والتقنية, لذا فأن استلهام جوانب القوة من هذه التجارب يجب ان يكون أداة محفزة لتطوير النموذج البلدي الأردني, مع الاخذ بعين الاعتبار السياق المحلي والخصوصية المجتمعية, فعلى سبيل المثال لا الحصر ( تجربة بلدية الرصيفة في خصخصة ملف النظافة هذا الخيار التي اتخذته إدارة البلدية الذي يحمل طابعين تنمويان احدهما الشراكة مع القطاع الخاص في إيجاد حل لتحدي واجه مدينة مليونية السكان والثاني الابتكار البلدي في مواجهة التحديات ) فهكذا نماذج تضع البلديات على مسارها الصحي في مواجهة التحديات الراهنة.
فأن تحسين الأداء البلدي في المملكة الأردنية يتطلب إرادة سياسية, اصلاح تشريعي, تمكين اداري, وتعزيز الحوكمة, إضافة الى بناء شراكات فعالة مع المجتمع المحلي والقطاع الخاص, فبدون هذه الخطوات, ستبقى البلديات عاجزة عن تلبية تطلعات المواطنين, ومحدودة التأثير في تحقيق التنمية المستدامة للمدن.
وعليه فأن تطوير منظومة العمل البلدي لم يعد خيارا رفاهيا, بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها تحديات الواقع ومتطلبات المستقبل.




