مقالات

حكاية من قلب العزام: قم، ديرتي، وفخر الأجداد

نشامى الاخباري _ فهد رياض محمد العزام

يا أهلي وعزوتي، يا كبارنا ويا صغارنا، يا كل روح تنبض بحب قُم وعشق العزام! أنا فهد، ابن عشيرتكم، فروحي وقلبي دومًا متصلان بتراب قُم العتيق. أنا من سلالة العزام التي اعتزت بينابيع العز والفخر، وورثت حب هذه الأرض الطيبة. اليوم، أقف بينكم، لا لأروي حكاية قديمة سمعتها، بل لأخط بقلبي وبلساني قصة ديرتي التي تجري في دمي، قصة قُم التي أنا شخصياً أفتخر بها من كل قلبي.
من فينا لا يتذكر سواليف آبائنا وأجدادنا عن قُم؟ قبل أن تصلها أضواء المدن وزحمة الناس، كانت ديرتنا خضراء كجنان الله، أهلها يعيشون ببركة عين الماء وفيّ شجر الزيتون الذي غرسته الأيادي المباركة من جدودنا الأوائل.
تاريخ قُم ليس مجرد صفحات في كتاب، بل هو حيٌّ في كل حجر من بيوتها العتيقة، وفي كل زيتونة تقف بشموخ. جدودنا اختاروا هذه المنطقة بحكمتهم التي تذهل العقل؛ فموقعها المنيع، وأرضها التي تزرع ذهباً، ومياهها الوفيرة، كل هذه القصص جعلتها دومًا محط أنظار وبيتًا للناس والعمران. حياتهم كانت بسيطة، لكنها مليئة بالكرم، وكيفما تلف تجد الرجل الأصيل، وتعاونًا لا تجده إلا بين أهل العشيرة الواحدة، كالإخوان من بطن واحد.
كان لكل بيت كبير سند، ولعشيرتنا، عشيرة العزام، كان هذا السند هو شيخ جليل، ملامح وجهه تحكي قصص سنين طويلة وحكمة عمرها عمر التاريخ، هو شيخنا الشيخ ناجي بن مزيد بن كليب بن محمد بن عزام بن محمد بن موسى بن يونس بن موسى بن حسين بن موسى بن عزام، رحمه الله. الشيخ ناجي، الذي وُلد عام 1873م في قرية حوفا الوسطية القريبة من قم، لم يكن مجرد رجل كبير في العمر، كان كنز سواليف وحكايات، حافظاً في قلبه تاريخ الديرة كلها، قصص الفرسان والبطولات، حكايات أفراحنا ونواحنا، وتفاصيل حياة الجدود التي كانت خير الدروس لنا في الصبر والعزيمة.
تحت الشجرة العتيقة بساحة الديرة، تجمّعوا حوله الأحفاد من كل صوب وحدب، عيونهم تتأمل، وآذانهم تصغي لكل كلمة تخرج من لسانه.
يا أحفادي، كان يقول بصوته الأجش الذي يحمل الدفء والحكمة، هذه الأرض ليست مجرد تراب تحت أقدامنا، هي أرواح جدودكم الذين رووها بعرقهم ودموعهم وأفراحهم. كل زيتونة هنا شاهدة على قصة صمود، وكل حبة قمح ثمرة إيمان بأن الغد أجمل. جدودكم لم يكونوا يملكون إلا أغلى شيء في الدنيا: القناعة، والعزيمة، والإيمان ببعضهم البعض.
حكمة قُم لم تكن مقتصرة على شؤون حياتنا اليومية أو كفاحنا من أجل العيش، بل امتدت لتشمل قضايا وطننا الكبيرة والأمة جمعاء. ففي محطة تاريخية فارقة، احتضنت ديرتنا بكل فخر واعتزاز “مؤتمر قُم” الذي يُعد أول مؤتمر أردني لنصرة فلسطين، وقد انعقد بتاريخ 6 نيسان (أبريل) 1920م. ترأس هذا المؤتمر الوطني الهام شيخنا الجليل الشيخ ناجي العزام، رحمه الله. ويُسجل للشيخ ناجي أنه كان من أوائل الذين تنبهوا إلى الخطر الصهيوني على شرقي الأردن، مثلما كان يستهدف فلسطين، حين دعا رجالات العشائر الأردنية ليعقدوا في ديوانه في ببلدة قُم مؤتمراً وطنياً توحدت فيه الكلمة. لم يكن مجرد اجتماع عادي، بل كان إعلاناً بصوت عالٍ عن الوحدة والتكاتف في وجه كل التحديات التي كانت تواجه البلاد. بيوت قُم وديوانها العامر كانت فاتحة أبوابها لاستقبال الضيوف، وقلوب أهلها كانت مليئة بالغيرة على تراب الوطن ومستقبله. شيخنا الشيخ ناجي بن مزيد بن كليب العزام، رحمه الله، كواحد من الوجهاء الكبار الذين عاشوا هذه الفترة، كان شاهداً حياً وحافظاً لذكرى هذا المؤتمر الوطني المهم، كان يحكي كيف تشابكت الأيادي واتحدت الكلمة نصرة للأردن وقضيته العربية، وكيف قُم كانت دومًا منبرًا للحق والرجال الأصيلة. نستلهم من قصصه وذكراه العطرة كل معاني الأصالة والفخر. إنها حكمته التي عبرت الأجيال، وقيمه التي تشربناها من إرثه الطاهر.
ولم يقتصر فخرنا على قصص الأجداد وبطولات الشيوخ، بل امتد ليشمل الأبناء الذين رووا بدمائهم تراب الوطن فداءً له. في صفحات تاريخنا الحديث، نستذكر بكل إجلال وتقدير الشهيد البطل عبدالكريم جدعان العزام، الذي ارتقى شهيدًا في معركة وادي التفاح بنابلس في حزيران عام 1967. لقد كان استشهاده دليلًا ساطعًا على عمق الانتماء لهذه الأرض المقدسة، ووفاءً لمبادئ العزيمة والصمود التي ورثناها جيلًا بعد جيل. إن تضحيات مثل هذه هي التي ترسخ فينا الفخر، وتذكرنا بأن قُم وعشيرة العزام لطالما كانت منارة للتضحية والفداء في سبيل الأردن وقضايا أمتنا العادلة.
الشيخ ناجي بن مزيد بن كليب العزام، رحمه الله، كان هو الجسر الذي عبرت عليه قيم العزام من جيل إلى جيل. بفضل حكمته وحكاياته التي وصلتنا، ديرتنا لم تنسَ أصولها أبدًا، وظلت متمسكة بعاداتها وتقاليدها التي ورثناها عن جدودنا، وبدورها الوطني الذي سجلته في صفحات التاريخ.
ولليوم، ومع كل التغيرات التي نعيشها وكوني أقيم في عمان، قُم لا تزال واقفة شامخة، كجبالها وكأهلها. فخري برجالها الذين سطروا التاريخ لا ينتهي، واحترامي وتقديري لشيوخنا الذين حملوا الأمانة كبير. أنا كابن من عشيرة العزام العريقة، أحس بفخر عظيم بالشيخ الجليل ناجي بن مزيد بن كليب العزام، رحمه الله، والشيخ إبراهيم ناجي بن مزيد العزام، رحمه الله، اللذين ورثنا منهما هذا العز والشهامة، فهما من شخصيات الماضي التي لم ألحقها، لكن قصصهما وإرثهما حيٌّ فينا، نتوارثه بكل جيل بفخر واعتزاز. وبنفس الوقت، أعتز أيما اعتزاز برجالنا في الحاضر الذين لحقتهم وعاصرتهم. ومنهم العين في مجلس الأعيان، الشيخ محمد إبراهيم ناجي العزام، رحمه الله. وقلبي مليء بالمحبة والتقدير لشيخنا الحالي، أطال الله في عمره، ناجي إبراهيم ناجي العزام أبو عبدالله، الذي نرى فيه امتداداً لجدوده العظام. هو الذي يحمل الراية اليوم، وهو قدوتنا بكل خير، يجمع شملنا ويحافظ على الكرم والعادات الأصيلة التي تربينا عليها. نرفع رؤوسنا به وبكل شيخ من شيوخ عشيرتنا الذين كانوا دومًا سندًا لديرتنا وعشيرتنا ووطننا.
لليوم الشجرة العتيقة موجودة في ساحة الديرة، تحكي بظلالها الوارفة قصة رجال عظماء وعشيرة أصيلة، وديرة لا تزال تعيش على صدى أصوات جدودنا وحكمتهم. فخري فيها يتجدد مع كل شروق شمس، وحبي لها يكبر مع كل بذرة نزرعها في أرضها الطاهرة. هذه ليست مجرد قصة، إنها جزء مني، جزء منكم كلكم، وجزء لا يتجزأ من روح قُم وعشيرة العزام.
وفي الختام، أود أن أعبر عن كل حبي واحترامي وإجلالي لهذه القرية الطيبة، “قُم”، ولهذه العشيرة العريقة، “عشيرة العزام”. كل كلمة كتبتها نابعة من صميم القلب، عسى أن تكون وصلت لكل روح غيورة على تراب الأردن وأهله. مع خالص الاحترام والتقدير لكل قارئ لهذه الحكاية من تاريخنا الأصيل.

ابنكم المحب فهد رياض محمد العزام .

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *