
أم قيس… نبض الشمال وروح المكان
نشامى الاخباري _ علي سواغنة
في أقصى الشمال الأردني، حيث تتعانق التلال الخضراء مع الأفق المفتوح، تقف أم قيس شامخةً كأنها شرفةٌ معلّقة على صفحات التاريخ. ليست مجرد موقع أثري، بل مدينةٌ تتنفس حضاراتٍ تعاقبت، وتركت على حجارتها البازلتية السوداء بصمةَ زمنٍ لا يبهت.
جدارا… مدينة الثقافة والفلسفة
عُرفت أم قيس قديمًا باسم جدارا، وكانت إحدى مدن حلف الديكابولس التي ازدهرت في العهدين اليوناني والروماني. لم تكن مدينةً عسكرية أو تجارية فحسب، بل مركزًا ثقافيًا وفكريًا بارزًا. منها خرج الشاعر ميلياغروس الجدري الذي جمع في قصائده بين روح الشرق وفلسفة الغرب، ليجعل من جدارا منارةً أدبية في زمانها.
وتكشف الآثار الباقية اليوم عن مدينةٍ متكاملة المعالم؛ مسارح، وشوارع مرصوفة بالأعمدة، وكنائس بيزنطية، وحمامات رومانية. ويظل المسرح الغربي أبرز معالمها، شاهداً على أمسياتٍ ثقافيةٍ ومهرجاناتٍ كانت تعكس حيوية المكان.
مشهد طبيعي يتجاوز الحدود
ما يمنح أم قيس تفرّدها الاستثنائي هو موقعها الجغرافي. فمن على تلالها، تمتد الرؤية نحو بحيرة طبريا، ومرتفعات الجولان، وحتى شمال فلسطين. مشهدٌ بانورامي نادر يجمع ثلاث دول في إطارٍ بصري واحد، في تذكيرٍ بأن الجغرافيا قد تتقسّم سياسيًا، لكنها تظل متصلة في عمقها التاريخي والإنساني.
في فصل الربيع، تتحول المنطقة إلى لوحةٍ طبيعيةٍ آسرة؛ أزهار برية، ونسيم عليل، وأرضٌ تكتسي بالخضرة. عندها، يصبح الوقوف بين الأعمدة القديمة تجربةً تتجاوز السياحة إلى التأمل.
بين الحفاظ على الإرث وصناعة المستقبل اليوم، تشهد أم قيس اهتمامًا متزايدًا في إطار جهود حماية المواقع التراثية وتطوير السياحة المستدامة. فالمطاعم المطلة على الوادي، والفعاليات الثقافية التي تُقام بين أطلالها، تعيد الحياة إلى المكان دون أن تنتزع عنه وقاره التاريخي.
إن الاستثمار في أم قيس لا يقتصر على البنية التحتية، بل يمتد إلى تعزيز الوعي بقيمتها الحضارية، وإدماج المجتمع المحلي في مسيرة الحفاظ عليها، لتبقى شاهدًا حيًا على هوية الشمال الأردني وعمق انتمائه.
في أم قيس، لا تزور آثارًا صامتة، بل تصغي إلى همس القرون. هنا، يقف الزائر بين حجرٍ يحفظ ذاكرة حضارة، وأفقٍ مفتوحٍ على احتمالات المستقبل. إنها ليست محطةً عابرة على خريطة السياحة، بل تجربةٌ إنسانية تُذكّر بأن للأمكنة روحًا… وأن بعض الأرواح لا تُنسى.




