
كانوا يستعدّون للعيد… فعادوا شهداء: حين يُسرق الفرح من بيوت الأبطال وتبقى الكرامة
نشامى الاخباري _ عروة العظامات
لم يكن الأمس يومًا عاديًا في الأردن.
كان يومًا ثقيلًا، مُحمّلًا بوجعٍ لا يُقاس، حين ارتقى عدد من شباب إدارة مكافحة المخدرات شهداء وهم يؤدّون واجبهم في ملاحقة مطلوبٍ خطير. لم يكونوا في ساحة حربٍ تقليدية، لكنهم كانوا في قلب معركة لا تقل شراسة… معركة حماية المجتمع من سمٍّ يتسلل إلى بيوتنا بصمت.
هؤلاء الشهداء لم يكونوا مجرد رجال أمن.
كانوا آباءً، وإخوةً، وأبناءً… كانوا يستعدّون مثل كل الأردنيين لاستقبال عيد الفطر، يخططون لشراء ملابس العيد لأطفالهم، ينتظرون ضحكات الصغار، ودفء العائلة، وفرحة اللقاء.
لكنهم بدلًا من أن يعودوا إلى بيوتهم محمّلين بالهدايا… عادوا محمولين على الأكتاف، ملفوفين براية الوطن.
هنا، يتوقف الكلام قليلًا…
ونسأل السؤال الذي يوجع:
أليس من حقهم أن يكونوا بين أبنائهم؟
أليس من حق أطفالهم أن يحتضنوهم صباح العيد؟
أليس من حق أمهاتهم أن يفرحن بسلامتهم بدلًا من استقبال العزاء؟
بلى… هو حقّهم.
لكنهم اختاروا ما هو أعظم: أن يكون الوطن كلّه في أمان، ولو كان الثمن غيابهم الأبدي.
هذه الحادثة ليست مجرد خبر أمني عابر، بل جرس إنذار مدوٍ.
هي رسالة واضحة بأن حرب المخدرات في الأردن وصلت إلى مرحلةٍ لم تعد تحتمل الصمت أو الحياد. نحن لا نواجه مجرد مروّجين، بل شبكات إجرامية مستعدة لإطلاق النار، لسفك الدم، لتدمير مجتمع كامل من أجل الربح.
وهنا، لا بد أن يكون الخطاب حازمًا لا لبس فيه:
إلى تجّار السموم…
إلى كل من يظن أن الأردن ساحة سهلة:
أنتم لا تواجهون أجهزة أمن فقط، بل تواجهون شعبًا كاملًا.
تواجهون آباءً لن يسمحوا بتدمير أبنائهم، وأمهاتٍ لن يقبلن أن يُسرق مستقبل أولادهن، وشبابًا واعيًا يعرف أن المخدرات ليست “تجربة”… بل طريق بلا عودة.
نحن في هذا البلد، نقف صفًا واحدًا.
جيشًا وأمنًا وشعبًا.
وإن كان رجال الأمن العام الأردني يقدمون أرواحهم على الخطوط الأولى، فإن مسؤولية الداخل لا تقل أهمية. فكل بيتٍ يجب أن يكون خط دفاع، وكل مدرسة منبر وعي، وكل مواطن عينًا ساهرة.
المعركة اليوم ليست فقط في مداهمةٍ أو اشتباك…
بل في كلمة تُقال، وفي موقف يُتخذ، وفي رفضٍ واضح لكل من يحاول الترويج أو التبرير أو الصمت.
أما نحن، فعلينا أن نفهم جيدًا:
حين يسقط شهيد في هذه المعركة، فهو لا يدافع عن نفسه، بل عنّا جميعًا.
عن أطفالٍ لا يعرفونه، وعن بيوتٍ لن يطرق بابها الخطر بسببه.
لذلك، نعم…
نحن جميعًا مشروع شهادة عندما يتعلق الأمر بالأردن.
ليس بالضرورة أن نحمل السلاح، لكن أن نحمل المسؤولية.
أن نحمي أبناءنا، أن نرفع الصوت، أن نكون على قدر التضحيات.
رحم الله الشهداء…
الذين غابوا قبل العيد، ليبقى العيد في بيوت الآخرين.
وحمى الله الأردن… وطنًا لا ينحني، ولا يساوم، ولا يسمح للظلام أن ينتصر.




