نشامى الاخباري _ عبير كراسنة
كل عام تتكرر الصورة ذاتها: مطرٌ في الساعات الأولى، وغرقٌ في الشوارع قبل أن تكتمل النشرة الجوية، مشهد بات مألوفاً إلى حد الاعتياد، وكأنه جزء ثابت من فصل الشتاء، بينما المفترض أن يكون حدثاً استثنائياً يستدعي المحاسبة لا التبرير.
وفي لحظة تساقط الأمطار، تتحول شوارع الأردن إلى بحيرات مفاجئة، وكأن البلاد تتفاجأ بشتاء يأتي للمرة الأولى، رغم شهور طويلة من التصريحات والوعود والاستعدادات التي تبدو مجرد مانشيتات إعلامية لا تصمد أمام اختبار الأمطار.
جاهزية على الورق فقط
تخرج البلديات والوزارة كل عام بتصريحات تؤكد الجهوزية الكاملة واستكمال تنظيف المناهل ومجاري التصريف، لكن الشارع يكشف عكس ذلك تماماً، الكاميرات توثق الشوارع الغارقة، والسيول تتدفق من كل اتجاه، بينما لا يظهر من الجاهزية سوى بيانات مكتوبة تُعاد بصياغات مختلفة كل موسم وكأنها نسخة من العام السابق، الأمر الذي يعكس فجوة واضحة بين التصريحات والواقع العملي.
وتتكرر الأزمات في مواقع محددة يعرفها المواطنون جيداً، من الأنفاق إلى الجسور وواجهات الأسواق الشعبية، ورغم أنها مرصودة مسبقاً في خطط البلديات، إلا أنّ الحلول لا تتجاوز غالباً “فرق شفط” تُستدعى بعد وقوع الضرر.
أما البيانات الرسمية، لا تتوقف قبل المنخفضات الجوية، مع تكرار العبارات ذاتها عن الصيانة والمتابعة وتفقد شبكات التصريف، لكن عند أول اختبار ميداني، تظهر مكامن الضعف بوضوح في الأنفاق والجسور والمواقع المنخفضة، وهذا التناقض بين التصريحات والواقع يضع الجاهزية محل نقاش واسع ويعيد طرح السؤال: هل المشكلة في حجم الأمطار أم في طريقة الاستعداد لها؟
المواطن بين الوعود والواقع
الشارع الأردني لا يعترض على الطقس، بل على غياب التدابير الاستباقية، حيث في كل عام يسمع المواطن عن حملات تنظيف ومناهل مفتوحة واستعدادات مكثفة، لكن المشاهد الميدانية توثق أعطالاً تتكرر بصورة نمطية.
وعلى وقع الأمطار الأولى تتعرّى الطرق سريعاً؛ حفر صغيرة تتحول إلى فخ مائي، وسيول تجرف ما أمامها، وشوارع تغرق في دقائق فتتوقف حركة السير ونشاهد أضرار جسيمة في بعض المناطق.
المركبات تتفاوت حظوظها بين عطل مفاجئ، محرك غمرته المياه، وإطارات تتلف بفعل الحفر التي تخفيها السيول تحت سطحٍ يبدو آمناً من بعيد، وهذا المشهدٌ يتكرر كل شتاء ويحول الطريق إلى مساحة خطرة لا تختبر مهارة السائق فقط، بل قدرة البنية التحتية على الصمود.
ومع ارتفاع منسوب الشكاوى، لا تجد المركبات سوى ورش الميكانيك ملاذاً لتعويض ما أتلفته شوارع كان يفترض أن تكون صالحة للاستخدام.
“نملك خططاً ولسنا غائبين”
وتخرج الجهات المعنية، ممثلة بالوزارات والبلديات في مختلف محافظات المملكة في كل مرة، للإعلان عن رفع جاهزيتها استعدادا لفصل الشتاء، من خلال تشغيل غرف الطوارئ، تنظيف مناهل تصريف المياه، وتوزيع فرق وآليات في المناطق المعرضة لتجمع الأمطار.
وتتسابق وسائل الإعلام، لنشر هذه التصريحات والتي تُعتبر “مطمئنة” بالنسبة للمواطن ويتم تداولها على أوسع نطاق، إلا أنها تعود لتتسابق على نشر ” الأخبار والصور والفيديوهات”، التي توثق عكس ما جاء في البيانات الرسمية.
وفي ختام المشهد يبقى الشتاء امتحانًا حقيقيًا لجودة الطرق وقدرتها على الاحتمال، فالمياه التي تتجمع والحفر التي تظهر ليست سوى تذكير بأن البنية التحتية تحتاج إلى متابعة مستمرة وتطوير لا ينقطع، والتعامل مع هذه الظواهر بمنظورٍ عملي وتخطيطٍ طويل الأمد يمكن أن يحوّل تحديات الطقس إلى تجربة أكثر أمانًا واستقرارًا، ويجعل المرور في شوارعنا انسيابيًا حتى في ذروة الهطول.