
نواة مسلّحة: بين الغاية والوسيلة
نشامى الاخباري _ أسيل عبنده
حين يجتمع جشع الفكر ووهم الانتساب إلى العدالة، يصبح المفترق المؤدي إلى الغاية معبّدًا بالإيمان الوعر أو بالشك المستقيم؛ فلا يكفي الاقتناع بامتلاك الحق ما لم تتجاوز الأفكار جدرانها الرطبة، وتخضع لحدود المعرفة والمسؤولية. فعدالة الغاية لا تمنح الوسيلة حصانة، ولا تجعل صاحب القضية بمنأى عن المساءلة. عندها يتضح الفارق بين الدفاع عن قيمة أخلاقية واتخاذها ذريعة لانتهاكها؛ إذ يتحوّل الحكم إلى تفويض يجيز للمرء ما كان سيرفضه لو صدر عن خصمه.
ويظهر هذا التفويض حين يُخضع المدّعي الآخرين لمحكمة تستنزف العدالة بأحكامٍ تبدو في أقصى درجات عدالتها، فيما يرفض المثول أمام المعيار نفسه. عندها لا يعود اختلال المعيار مجرد تناقض في القناعات، بل يصبح ممارسةً تُنتقى فيها الأحكام وفق هوية المحكوم عليه، ويُصوَّر الاعتراض عليها خروجًا عن العدالة بدلًا من أن يكون مساءلةً لها. وهكذا ينقلب الدفاع عن الحق إلى إجرام تعسفي، وتُستمد مشروعية الوسائل من نبالة الغايات، حتى تبلغ المفارقة ذروتها حين يُدان الخصم لأنه يحتكم إلى معيار أخلاقي يرفضه المدّعي على نفسه.
ولا تنحصر المفارقة في سياسة العنف ومسمياته، بل تبلغ أوج تعقيدها حين يتحوّل الحق إلى صكّ براءة. عندئذٍ، تتخذ المظلومية صفة التفويض، فتغدو مسوّغًا للحكم على الآخرين، ويُعاد تنصيب الضحية والجلاد في موضعين متبادلين؛ إذ يتخذ أحد الخصمين من مظلوميته دليلًا على براءته، فيما يُنتزع فعل خصمه من سياقه ويُبنى عليه الحكم. وليس إخضاع الطرفين لمعيار واحد من المساءلة حكمًا بتساويهما في المسؤولية، وإنما رفضٌ لأن تُحسم الإدانة بهوية الفاعل وحدها. وهكذا يُحجب الفعل عن المحاسبة، ويُعرَّض الخصم لعقوبة قاسية، فتتشابك الغاية بالوسيلة، ويُفضي هذا المنطق بصاحبه إلى خلف القضبان.
فلعلّ النواة الأشدّ تسلّحًا ليست المحمّلة بالبارود، وإنما التي تتخذ من مفترق العدالة حصنًا تتحصّن به من مساءلة ذاتها تحت مجهر الضمير، دون أن تسمح بإخضاع منطقها وثوابتها اللاأخلاقية للنقد. وحين ينتقل هذا المنطق إلى السلطة، فتنفرد بتحديد معايير الحكم وتُعطّل آليات مراجعتها، يتحوّل القانون إلى قيد يعيد تكبيل الحق باسم العدالة، ليبقى الخصم خارجًا عن سياقها في آخر المطاف.




