نشامى الاخباري _ عروة العظامات
قراءة في معركة الوعي وسط انفجار المعلومات وتراجع الثقة
في الوقت الذي تتسارع فيه التحولات الرقمية عالميًا، تقف المجتمعات العربية أمام سؤال وجودي: هل ما زال في وسعنا أن نتأخر؟ فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات للاتصال أو منصات للترفيه، بل أصبحت البيئة التي تُصنع فيها الحقيقة، وتُدار عبرها السياسة، وتُبنى عليها اقتصادات المستقبل، ويُعاد من خلالها تشكيل الوعي الجمعي.
يشهد الفضاء العام العربي اليوم واحدة من أعقد مراحله: تضخم غير مسبوق في المحتوى، وتراجع قدرة المؤسسات على مواكبة التغيرات، وانخفاض ثقة الجمهور بكل شيء—من الإعلام إلى السياسات العامة، وصولًا إلى المعرفة نفسها. وبين هذه التصدعات، تتسلل الأخبار المضللة وخطابات الاستقطاب والكراهية لتتحول من ظواهر هامشية إلى أدوات تأثير واسعة، تعيد رسم المزاج الاجتماعي، وتستنزف رصيد الثقة الضروري لعمل أي دولة حديثة.
الرقمنة… إعادة صياغة للمجتمع
لم يعد التحول الرقمي خيارًا تنمويًا أو سياسة تقنية فحسب؛ بل أصبح جزءًا أساسيًا من أمن الدول واستقرارها. فالمعرفة لم تعد تُنتج وتُستهلك بالطريقة ذاتها التي سادت لعقود طويلة. وفي ظل هذا الانفجار المعلوماتي، تتحول الدراية الإعلامية والمعلوماتية من مهارة إلى مناعة اجتماعية تحمي الإنسان من الوقوع في فخ التضليل والتحيز والاستغلال التقني الذي تتقنه جهات منظمة ومؤثرة.
ومن هنا، تدرك الدول الساعية إلى بناء اقتصادات معرفية أن الاستثمار في الوعي الإعلامي هو الحصن الأول أمام “فوضى الذكاء الاصطناعي” التي بدأت تفرض حضورها على كل مفاصل الحياة—من التعليم إلى الانتخابات، ومن الهوية الفردية إلى الأمن القومي.
التعليم العربي… الحلقة الأكثر هشاشة
ورغم الجهود المبذولة لتطوير المناهج، ما يزال النظام التعليمي العربي بعيدًا عن اللحظة الرقمية. فالمؤسسات التعليمية غالبًا ما تعيد تدوير المحتوى التقليدي، بينما يعيش الطلاب—كل يوم—في فضاءات رقمية لا تشبه المدرسة ولا تشبه العالم الذي سيعملون فيه مستقبلًا.
غياب مهارات التفكير النقدي والتحليل والتقييم يجعل الأجيال الشابة فريسة سهلة لانحيازات المنصات، وهدفًا مباشرًا لحملات التضليل، التي باتت أكثر احترافًا وأقل قابلية للكشف.
منصات التواصل… سلطة بلا مساءلة
تراجعت سلطة الإعلام التقليدي، بينما تحولت المنصات الرقمية إلى مؤسسات فوق وطنية تدير المعنى والمزاج والاتجاهات بلا مساءلة واضحة. إنها اليوم ليست مجرد تطبيقات، بل بنية تحتية للرأي العام. أما خطورتها، فتكمن في قدرة خوارزمياتها على إعادة تشكيل قناعات البشر دون وعي منهم، وبإيقاع قد يسبق قدرة القانون أو المؤسسات على ضبطه.
أي مستقبل نريد؟
بين الحاجة إلى حماية المجتمعات من الفوضى المعلوماتية، والحفاظ على مساحة الحرية، يقف العالم العربي أمام واحد من أصعب خياراته. فإذا لم تُبنَ استراتيجيات وطنية جادة للارتقاء بالوعي الرقمي، وإدماج الدراية الإعلامية في المدرسة والجامعة والإعلام والسياسات العامة، فسنظل ندور في حلقة مفرغة من التضليل والانقسام وفقدان الثقة.
إن المنطقة لا تحتاج فقط إلى بنية رقمية متطورة، بل تحتاج قبل ذلك إلى بنية وعي قادرة على فهم هذه التحولات والتعامل معها. فالرقمنة ليست مشروعًا تكنولوجيًا، بل مشروعًا نهضويًا يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والسلطة والحقيقة.
وإذا كان العالم يتقدم بسرعة قياسية، فإن السؤال الذي يجب أن نواجهه بجرأة هو:
هل نملك رفاهية التأخر… مرة أخرى؟