أخبار نشامى

عقود الوهم : سماسرة “تيلغرام” يقودون فقراء الأردن الى “المحرقة” الروسية

نشامى الاخباري_ أحلام ابداح

لم يكن لدى رائد حماد أي خبرة عسكرية ولا ميول سياسية، وعندما غادر الأردن في آب الماضي، كان همه الوحيد تحسين وضعه المعيشي، عبر وظيفة مدنية آمنة في روسيا وعده بها وسيط. لكن هذا الأمل سرعان ما تبدد عند أول توقيع على عقد بلغة لا يفهمها، ليجد نفسه بلا هاتف، وبلا خيار، وقد استُبدلت ملابس العمل المدنية بزي عسكري، وأصبح مجندًا في وحدات قتالية على خطوط الدفاع شرق أوكرانيا.

بعد انقطاع الاتصال معه، عاشت عائلة رائد حالة من الغموض والتساؤل حول مصيره، قبل أن يُعلن لاحقًا عن مقتله، دون أي توضيح رسمي عن مكانه. قصة رائد، التي جاءت بصمت مطبق وموت غامض، تكررت بطريقة شبه مطابقة مع الشاب عبدالله العبداللات، لتصبح ظاهرة “أولمة القتال” ليست مجرد حادثة فردية، بل رأس جبل الجليد لعملية استقطاب واسعة.

شهادات عائلية:

يروي والد الشاب عبدالله كايد العبداللات تفاصيل مؤلمة عن ابنه، موضحًا أن عبدالله سافر خارج الأردن بحثًا عن فرصة عمل لتحسين وضعه المعيشي، بعد أن وُعد بوظيفة مدنية وبعقد يُفترض أنه قانوني. إلا أن الأمور انقلبت عليه بشكل مفاجئ، بعد أن وقع على أوراق مكتوبة بلغة أجنبية لم يكن يفهمها، ظنًا منه أنها تتعلق بالعمل فقط، قبل أن يكتشف لاحقًا أنه أُدرج ضمن عقد تجنيد للجيش الروسي، ليجد نفسه مجبرًا على الالتحاق بجبهات القتال في الحرب الروسية–الأوكرانية.

مصيدة الفقرة الرقمية:

يقول أحد المشاركين ضمن فئة “نشامى” في هذا التحقيق، إن عمليات الاستقطاب تبدأ عن بُعد، تحديدًا عبر تطبيقات التواصل مثل تلغرام، حيث يتم التواصل مع الشباب عبر وسطاء يروّجون لفرص عمل برواتب تتجاوز 2000 دولار، مستغلين ظروف الفقر والبطالة وانسداد الأفق.

ويضيف أن هذه العمليات تتم دون ظهور مباشر لأي جهة عسكرية، إذ تُقدَّم العروض على أنها وظائف مدنية، مع وعود بالسكن والتأمين وحتى الحصول على الجنسية، قبل أن يتضح لاحقًا أن الواقع مختلف تمامًا.

من جهته، يوضح الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء الركن المتقاعد نضال أبو زيد، أن هذا النمط من الاستقطاب يعتمد على أساليب غير مباشرة تُخفي الطابع العسكري في مراحله الأولى، وتستهدف الفئات الأكثر هشاشة اقتصاديًا.

وأكد خبير الشؤون السياسية محسن الشوبكي، أن ما يحدث يعد جزءًا من “حرب هجينة” تهدف إلى استقطاب الأشخاص للانضمام إلى أجهزة استخباراتية، حيث يتم فرز البيانات قبل الوصول إلى جنيف، ولتجنب وصفهم بالمرتزقة، يُطلق عليهم لاحقًا وصف “المتطوعين” وفقًا لاتفاقيات جنيف.

وأضاف الشوبكي أن المجندين بعد توقيع العقود الغامضة، يدخلون في واقع عسكري مرعب، حيث يُستغل هؤلاء المقاتلون كخيار “أقل كلفة عسكريًا” لتعويض الاستنزاف البشري دون إثارة الغضب الشعبي.

ويُرسل المجندون فيما يُعرف بـ “قوات الصدمة” أو “رأس الحربة”، إذ يُرسلون إلى أخطر نقاط الجبهة لاختبار النيران قبل أن تنشط القوات النظامية، مما يجعلهم قوة مستهلكة ومشاريع قتلى محتملة، بينما يُفرز ذوو الخبرة التقنية لمهام تخصصية مثل تشغيل المسيرات.

وهذا ما حدث مع الشاب عبدالله العبداللات، الذي عاش تجربة قاسية، إذ أُجبر على القتال بعد مصادر هاتفه الذي كان يمنعه من التواصل، ليجد أهله أنفسهم في دوامة من الرعب والغموض حول مصيره.

وعاشت عائلة رائد حماد مصيرًا مشابهًا، حيث واجهت “تعليقًا قسريًا” بين النفي والإثبات، لتكتشف لاحقًا أن مصير رائد انتهى دون أن يحظى حتى بكرامة الموت. كما تم توثيق بعض الأدلة حول وضع عبدالله.

الجانب النفسي والاجتماعي:

يؤكد الخبير الاجتماعي الدكتور مجد الدين خمش، أن ظاهرة الاستقطاب لا ترتبط فقط بالحاجة الاقتصادية، بل تنبع من فراغ واسع النطاق يعيشه الشباب في الأردن وخارجه، حيث يتقاطع مع انسداد الأفق والضعف النفسي والاجتماعي.

وأضاف خمش، أن كثيرًا من الشباب يتم استدراجهم عبر تقديم معلومات ناقصة أو مضللة، تُسوَّق لهم على أنها وظائف بسيطة، كالعمل في المطاعم أو الكافتيريات، قبل أن يُفاجأوا عند الوصول بواقع مختلف تمامًا. ففي هذه المرحلة يُوقَّع العقد كنقطة اللاعودة، ويجد الشاب نفسه مرتبطًا قانونيًا بمسار لم يكن مدركًا لعواقبه.

وتستهدف هذه الاستراتيجيات احتياجات الشباب الداخلية، مثل البحث عن المغامرة أو السفر أو تجربة جديدة، وتُقدَّم لهم على شكل برامج سياحية أو تطوعية خارجية، خاصة في ظل سياسات هجرة مرنة لبعض الدول تعاني من نقص في العمالة.

كما أن الفقر وقلة الفرص تجعل الشباب أكثر عرضة لتجاوز المخاطر، حيث تتحول أي مكافأة مالية كبيرة إلى عامل مغرٍ، خصوصًا إذا لم يكن لديهم خبرة سابقة في الهجرة أو البحث عن فرص عمل.

وحذّر خمش من أن غياب الوعي القانوني وعدم قراءة العقود، خصوصًا تلك المكتوبة بلغات أجنبية، يضع الشباب في دائرة الانقلاب المنهجي، داعيًا وسائل الإعلام والمختصين إلى تكثيف التوعية قبل توقيع أي عقود.

القانون الدولي:

يوضح الخبير القانوني صخر الخصاونة أن القانون الدولي يصنف هؤلاء كـ “مرتزقة” إذا انطبقت عليهم معايير اتفاقيات جنيف، خاصة عند توقيع العقد بمحض إرادتهم مقابل المال.

أما محليًا، فقد أشار الخصاونة، إلى المادة 110 من قانون العقوبات الأردني التي تفرض عقوبات على أي أردني يحمل السلاح ضد دولة أخرى ضمن جيش نظامي، موضحًا أن الانتساب لجيوش أجنبية قد لا يكون مجرّد جريمة إذا لم يكن هناك عدوان مباشر على الأردن، إلا أن الانخراط مع جماعات مسلحة قد يعرّض الشباب لعقوبات شديدة قانونيًا وشرعيًا.

الدولة تذّر والعائلات تنتظر:

اكتفت وزارة الشؤون الخارجية الأردنية بإصدار بيان رسمي في 27 تشرين الثاني الماضي، مؤكدة متابعة عمليات استقطاب المواطنين الأردنيين للقتال مع الجيش الروسي، معتبرة ذلك مخالفة شرعية وقانونية وتهديدًا لحياة المواطنين.

وأكد الناطق الرسمي باسم الوزارة، فؤاد المجالي، أن الوزارة طالبت السلطات الروسية بوقف تجنيد الأردنيين وإنهاء أي مشاركة قائمة، وأنها ستتخذ جميع الإجراءات القانونية والدبلوماسية المتاحة.

وحذّرت الوزارة من وجود جهات تنشط عبر الإنترنت لاستقطاب الأردنيين، مشددة على أن ملف تجنيد الأردنيين لم يُغلق بعد، وما تزال بعض العائلات، وعلى رأسها عائلة عبدالله، تطالب بكشف مصير أبنائها.

حتى الآن، لم تصدر بيانات محدثة لتوضيح عدد الأردنيين الذين تم تجنيدهم أو إعادتهم، أو الإجراءات المتخذة بحق شبكات الاستقطاب، ما يترك الملف مفتوحًا أمام تساؤلات قانونية وإنسانية.

الاتجار بالبشر والاستغلال الاقتصادي للشباب:

يمكن القول إن ما يحدث يُعد أحد أشكال الاتجار بالبشر، حيث يستغل الوسطاء وهم الفرص الوظيفية لتسويق أجساد الشباب وترميم الجبهات العسكرية، بينما الضحية هو الشاب الطامح لتحسين وضعه الاقتصادي، ليجد نفسه فجأة في قبر غريب.

وتطالب العائلات، مثل عائلة عبدالله العبداللات، وزارة الخارجية بالتدخل لحماية الشباب وملاحقة الوسطاء، بينما يرى بعض المختصين أن ملاحقة الوسطاء صعبة قانونيًا إلا إذا ثبت ارتباطهم بالإرهاب، وهو ما يختلف عن التعويض الاجتماعي والمسؤوليات المدنية.

بين وعود الروبل الروسي وواقع التوابيت الخشبية، تبقى الحقيقة المرة أن الفقر يحوّل الشباب إلى خزان بشري يغذي صراعات الدول الكبرى. قضية الأردنيين في أوكرانيا ليست مجرد ملف أمني، بل جرح اجتماعي يتطلب تدخلًا عاجلًا قبل أن يتحول المزيد من الباحثين عن العمل إلى أرقام على قوائم الموت.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *