أزمة النفايات في الأردن: نمو سكاني متسارع وإدارة تبحث عن حلول

نشامى الإخباري – أحلام ابداح
رغم الاعتقاد بأن التحضّر والنمو السكاني هما المسؤولان الوحيدان عن ارتفاع معدلات النفايات الصلبة، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه العوامل تمثل جزءًا من منظومة أكثر تعقيدًا، ترتبط أيضًا بأنماط الاستهلاك، والنشاط الاقتصادي، ومستوى الخدمات، إلى جانب كفاءة إدارة هذا الملف الحيوي، الذي بات يشكل تحديًا رئيسيًا للمجتمع المحلي.
ويُعد تضخم كميات النفايات الصلبة مع تزايد أعداد السكان ظاهرة عالمية متنامية، إذ يرتبط توليد النفايات بشكل مباشر بالنمو السكاني والتوسع الاقتصادي. وفي المقابل، تؤدي الإدارة غير الفعّالة للنفايات إلى تداعيات بيئية وصحية خطيرة، فضلًا عن أعباء اقتصادية متزايدة. وتتنوع النفايات الصلبة إلى عدة أنواع، يتم التعامل معها بطرق مختلفة، حيث تُجمع في كثير من الأحيان من مصادرها، كالمنازل والمصانع، ليتم نقلها إلى المكبّات أو إخضاعها لعمليات المعالجة.
وفي الأردن، تُعد إدارة النفايات من أولويات الحكومة، حيث تتولى وزارة الإدارة المحلية مسؤولية الإشراف على هذا القطاع، من خلال وضع التشريعات والأنظمة الناظمة، والاعتماد على أسس ودراسات علمية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة والحد من الآثار البيئية. ومع ذلك، فإن غياب الوعي الصحي والبيئي لدى بعض الفئات يسهم في تفاقم الأضرار الناتجة عن هذه النفايات.
وبحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة، شهدت المملكة الأردنية الهاشمية ارتفاعًا ملحوظًا في كميات النفايات الصلبة خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفعت من نحو 2.78 مليون طن عام 2014 إلى أكثر من 4.18 مليون طن في عام 2022. وفي الفترة ذاتها، ارتفع عدد السكان من 8.8 مليون نسمة إلى 11.3 مليون نسمة، ما يشير إلى أن معدل نمو النفايات في بعض الفترات تجاوز معدل النمو السكاني، وهو مؤشر يستدعي الانتباه من منظور الاستدامة وإدارة الموارد.
وتعكس هذه البيانات تأثير مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها الكثافة السكانية، والنشاط الاقتصادي، ومستوى التحضّر، إضافة إلى كفاءة الخدمات البلدية، في تحديد حجم النفايات المنتجة.
وعلى مستوى المحافظات، تتصدر عمّان قائمة المناطق الأعلى إنتاجًا للنفايات، حيث ارتفعت الكمية من نحو 1.1 مليون طن عام 2014 إلى 1.36 مليون طن في عام 2022، بالتزامن مع زيادة عدد السكان من 3.7 مليون إلى 4.7 مليون نسمة، ما يعكس أثر الكثافة السكانية المرتفعة والنشاط الاقتصادي والخدمي المكثف.
كما سجلت إربد ارتفاعًا ملحوظًا، بلغت ذروته في عام 2021 بنحو 1.14 مليون طن، في مؤشر على توسع الخدمات وزيادة الطلب. وفي الزرقاء، حافظت كميات النفايات على مستويات مستقرة نسبيًا، مع تسجيل أعلى كمية في عام 2021 بأكثر من 509 آلاف طن.
أما البلقاء، فقد شهدت نموًا واضحًا في كميات النفايات، حيث تضاعفت تقريبًا بين عامي 2014 و2022، ما يعكس تأثير التوسع العمراني والنمو السكاني. في المقابل، سجلت محافظات العقبة والطفيلة ومعان أدنى مستويات إنتاج النفايات، نتيجة انخفاض الكثافة السكانية، رغم ارتفاعها من نحو 14 ألف طن عام 2014 إلى أكثر من 23 ألف طن في عام 2022.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن العوامل الاقتصادية تلعب دورًا مهمًا في تحديد حجم النفايات، إذ تميل المناطق ذات النشاط التجاري والخدمي المرتفع إلى إنتاج كميات أكبر. كما تكشف البيانات عن الحاجة الملحّة إلى تطوير استراتيجيات متخصصة لإدارة النفايات الصلبة، تأخذ بعين الاعتبار الخصائص السكانية والجغرافية لكل منطقة، بما يعزز كفاءة الإدارة ويحد من الآثار البيئية والاقتصادية المتزايدة.
في ظل تصاعد أزمة النفايات الصلبة في الأردن، يؤكد المدير التنفيذي للجمعية الملكية لحماية البيئة الأردنية، الدكتور معن نصايرة، أن التحضّر والنمو السكاني لا يمكن اعتبارهما السبب الوحيد وراء تفاقم المشكلة، مشيرًا إلى أن القضية أكثر تعقيدًا وترتبط بمنظومة واسعة من العوامل المتداخلة.
ويضيف نصايرة في حديثه لموقع “نشامى”، أن تغيّر أنماط الاستهلاك، والاعتماد المتزايد على المنتجات أحادية الاستخدام، إلى جانب ضعف ثقافة فرز النفايات من المصدر، ومحدودية البنية التحتية لإدارة النفايات، جميعها عوامل أساسية تسهم في تفاقم الأزمة، ما يستدعي تبنّي حلول شاملة ومتكاملة.
وفيما يتعلق بدور الجهات الرسمية، يوضح نصايرة أن السياسات الحكومية وإدارات البلديات تتحمل مسؤولية محورية في إدارة هذا الملف، سواء من حيث التخطيط أو التنفيذ أو الرقابة، لافتًا إلى أن أي خلل في هذه المنظومة ينعكس بشكل مباشر على تفاقم الأزمة، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن المسؤولية تبقى مشتركة بين مختلف الأطراف.
ويشير نصايرة إلى أن ضعف الوعي البيئي لدى المواطنين يعد عاملًا مؤثرًا بشكل كبير، وقد يفوق أحيانًا تأثير النمو السكاني، موضحًا أن السلوكيات اليومية الخاطئة، مثل الإلقاء العشوائي للنفايات، وعدم الالتزام بعمليات الفرز، والإفراط في الاستهلاك، تسهم في زيادة حجم النفايات وتعقيد إدارتها.
كما يحذر نصايرة من آثار التوسع العمراني غير المخطط، الذي يخلق تحديات كبيرة أمام أنظمة جمع النفايات ومعالجتها، ويؤدي إلى ظهور مكبّات عشوائية، إضافة إلى إنتاج نفايات مختلطة يصعب فرزها، ما يزيد من الأعباء البيئية والاقتصادية.
ويبيّن نصايرة أن طبيعة النفايات تختلف بين المناطق الحضرية والريفية، حيث تتسم في المدن بالتنوع وارتفاع نسبة المواد البلاستيكية والصناعية، بينما يغلب الطابع العضوي في الأرياف، الأمر الذي يتطلب اعتماد أساليب معالجة مختلفة، كتعزيز إعادة التدوير في المدن، والتوسع في إنتاج السماد العضوي في المناطق الريفية.
ويربط نصايرة بين تزايد كميات النفايات والأنماط الاستهلاكية الحديثة القائمة على المنتجات الجاهزة وسريعة الاستخدام والتغليف المكثف، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في النفايات، خاصة البلاستيكية.
ورغم وجود جهود وبرامج لإعادة التدوير في الأردن، يؤكد أنها لا تزال دون المستوى المطلوب، مشددًا على ضرورة تطويرها من خلال تعزيز البنية التحتية، وتفعيل الفرز من المصدر، وتقديم حوافز تشجع على المشاركة الفاعلة.
ويختم نصايرة، بالإشارة إلى أن انخفاض نسب إعادة التدوير لا يرتبط فقط بضعف الوعي، بل بغياب منظومة متكاملة تدعم هذا التوجه، تشمل بنية تحتية مناسبة وأنظمة واضحة وحوافز اقتصادية، إلى جانب التحديات التي تواجهها الجمعيات البيئية، مثل محدودية الموارد، والحاجة إلى توسيع نطاق التوعية، وتعزيز التنسيق بين مختلف الجهات المعنية.




