مقالات

النفقة في المحاكم الأردنية: بين حكم القضاء ومعاناة التنفيذ

نشامى الاخباري _  المحامية ملاك النجار

نظّم قانون الأحوال الشخصية الأردني أحكام النفقة باعتبارها حقًا ثابتًا للزوجة والأبناء، تُقدّر وفق حال المنفِق يسارًا أو إعسارًا، وتشمل أساسيات الحياة من مأكل وملبس ومسكن وعلاج. كما أتاح القانون المطالبة بالنفقة الماضية والحالية أمام القضاء الشرعي.

إلا أن الواقع العملي في المحاكم الأردنية يكشف أن الطريق إلى تحصيل هذا الحق ليس بالسهولة التي رسمها النص القانوني.

أولًا: “الراتب على الورق”… والدخل في الواقع
في كثير من القضايا، يُبرز الزوج كتاب راتب أو إثبات دخل منخفض، بينما يكون دخله الحقيقي أعلى بكثير، خاصة في المهن الحرة أو الأعمال غير المصرّح بها. وهنا تجد المحكمة نفسها أمام بينات محدودة، فتُقدّر النفقة بناءً على ظاهر الأوراق، لا على الواقع الفعلي للمعيشة.

ثانيًا: مساومات خارج قاعة المحكمة
من المشاهد المتكررة، أن تتحول النفقة إلى أداة ضغط:
إما القبول بمبلغ أقل من المستحق، أو الاستمرار في التقاضي.
بعض الزوجات، تحت ضغط الحاجة، يرضين بمبالغ لا تكفي الحد الأدنى، فقط لتأمين مصروف يومي سريع.

ثالثًا: تأخير الدفع رغم وجود حكم
حتى بعد صدور الحكم، تظهر مشكلة حقيقية في الالتزام بالدفع، ومنها:
– الدفع المتقطع (شهر يُدفع وشهر لا).
– التأخير المتعمد لإجبار الطرف الآخر على مراجعات مستمرة.
– الدفع الجزئي لتفادي الإجراءات القانونية.

وهذا يخلق حالة من عدم الاستقرار المالي للأسرة، رغم وجود حكم قضائي واجب التنفيذ.

رابعًا: تحديات التنفيذ الواقعي
رغم وجود أدوات قانونية كالحجز والحبس التنفيذي، إلا أن التطبيق يواجه عقبات، مثل:
– صعوبة الوصول إلى أموال المحكوم عليه.
– نقل الأموال أو تسجيلها بأسماء الغير.
– طول إجراءات التنفيذ وكثرة المراجعات.

وهنا تتحول النفقة من “حق مضمون” إلى “معركة يومية” داخل دوائر التنفيذ.

خامسًا: الجزاء القانوني وحدوده
عالج قانون العقوبات الأردني مسألة الامتناع عن دفع النفقة، واعتبرها سببًا للمساءلة التي قد تصل إلى الحبس.
لكن في الواقع، قد لا يشكل هذا الجزاء رادعًا كافيًا في جميع الحالات، خصوصًا عندما يكون الهدف من الامتناع هو المماطلة وليس العجز الحقيقي.

سادسًا: الضحية الصامتة
في خضم هذه الإجراءات، يبقى الأطفال هم الأكثر تأثرًا:
تأخير في المصروف، ضغط نفسي، وعدم استقرار في أبسط مقومات الحياة.
وهنا تتجاوز النفقة كونها مسألة قانونية، لتصبح قضية إنسانية تمسّ مستقبل الأسرة.

خاتمة
بين نص قانوني منصف وواقع عملي معقّد، تبقى قضايا النفقة في الأردن بحاجة إلى تطوير أدوات التطبيق لا النصوص فقط. فتعزيز وسائل كشف الدخل، وتسريع إجراءات التنفيذ، وتفعيل الرقابة على الالتزام بالدفع، كلها خطوات ضرورية لضمان أن يبقى الحكم القضائي وسيلة لتحقيق العدالة، لا مجرد ورقة بلا أثر.

إن النفقة ليست ترفًا قانونيًا، بل حق يمسّ الكرامة الإنسانية.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *