
البطالة في الأردن.. آن الأوان أن تتقدم الحلول على الأرقام
استمرار البطالة بين الشباب يفرض الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الفرص
نشامى الاخباري _ بقلم اللواء المتقاعد طارق عبدالمحسن الحباشنة
لا يمكن لأي مجتمع أن يطمئن إلى مستقبله بينما يقف آلاف شبابه على هامش سوق العمل بانتظار فرصة لم تأتِ بعد. ولم تعد البطالة في الأردن مجرد تحدٍ اقتصادي ضمن مجموعة من الملفات الوطنية، بل أصبحت قضية تمس حاضر الدولة ومستقبلها بصورة مباشرة. وعندما تشير المؤشرات الرسمية إلى استمرار معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة، فيما تبقى بطالة الشباب عند نسب تتجاوز ثلث الباحثين عن العمل، فإن الأمر يتجاوز حدود الأرقام والإحصاءات ليصبح تحدياً وطنياً يتطلب استجابة أكثر فاعلية ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وما يجب أن يقلقنا ليس الأرقام بحد ذاتها، بل ما تعكسه من واقع يعيشه آلاف الشباب الأردنيين الذين أكملوا تعليمهم وينتظرون فرصة عمل تتيح لهم بناء مستقبلهم والمساهمة في خدمة وطنهم. فخلف كل رقم قصة إنسان يسعى إلى حياة مستقرة، وأسرة تتطلع إلى مصدر دخل كريم، وطاقة وطنية كان يفترض أن تكون جزءاً من عملية التنمية والبناء. لذلك فإن البطالة ليست مجرد مؤشر اقتصادي، بل قضية تنموية واجتماعية وإنسانية ترتبط مباشرة بالاستقرار وجودة الحياة وفرص التقدم.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل الطبيعة الديموغرافية للمجتمع الأردني، حيث يشكل الشباب النسبة الأكبر من السكان، الأمر الذي يضع على سوق العمل تحدياً متجدداً يتمثل في استيعاب أعداد كبيرة من الخريجين والباحثين عن العمل سنوياً. وفي حال عدم مواكبة النمو الاقتصادي لهذا الواقع، فإن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق ستتسع، وستستمر الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بالتراكم عاماً بعد عام.
والحقيقة التي يجب التعامل معها بوضوح هي أن البطالة لم تعد مرتبطة بظروف اقتصادية عابرة، بل أصبحت قضية هيكلية تعكس اختلالات متراكمة بين التعليم والتدريب ومتطلبات سوق العمل. فالأردن يمتلك كفاءات بشرية مشهوداً لها في الداخل والخارج، لكنه يحتاج إلى اقتصاد أكثر قدرة على توليد فرص العمل، وإلى سياسات أكثر كفاءة في تحويل النمو الاقتصادي إلى وظائف حقيقية يشعر المواطن بنتائجها بصورة مباشرة.
“نجاح أي خطة اقتصادية لا يقاس بما يُكتب فيها، بل بعدد الوظائف التي تخلقها.”
ومن هنا فإن الانتقال من تشخيص المشكلة إلى معالجتها أصبح ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فالمطلوب اليوم هو التركيز على إجراءات عملية قادرة على إحداث فرق حقيقي، وفي مقدمتها تحفيز الاستثمارات الإنتاجية التي توفر فرص تشغيل مستدامة، وربط مخرجات التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل، والتوسع في دعم التعليم المهني والتقني، وتقديم حوافز مدروسة للقطاع الخاص مقابل خلق فرص عمل جديدة، إضافة إلى توجيه المزيد من المشاريع التنموية نحو المحافظات الأكثر تأثراً بالبطالة.
كما أن معالجة البطالة ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص. فالقطاع الخاص يمثل المحرك الرئيسي لخلق فرص العمل، فيما يقع على عاتق الحكومة توفير البيئة الاستثمارية والتشريعية القادرة على تشجيع النمو والتوسع والإنتاج. وعندما تتكامل هذه الأدوار ضمن رؤية واضحة وأهداف قابلة للقياس، يصبح تحقيق نتائج ملموسة أكثر واقعية وأقرب إلى التحقق. وفي الوقت ذاته، فإن الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح إلى الحكومة هي أن ملف البطالة لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل أو الاكتفاء بإدارته ضمن الأطر التقليدية، بل يتطلب قرارات جريئة وإجراءات عملية عاجلة تنعكس آثارها مباشرة على أرض الواقع. فالشباب الأردني ينتظر فرص عمل لا وعوداً جديدة، والمواطن يقيس النجاح بما يتحقق من نتائج لا بما يُعلن من خطط.
وفي ظل مشروع التحديث الاقتصادي والرؤية الملكية التي وضعت الإنسان الأردني في قلب عملية التنمية، فإن نجاح أي برنامج أو سياسة لن يقاس بعدد الاستراتيجيات التي يتم إطلاقها أو الخطط التي يتم الإعلان عنها، بل بقدرتها على خلق فرص عمل حقيقية وخفض معدلات البطالة وتحسين مستوى معيشة المواطنين. فمستقبل آلاف الشباب الأردنيين لا يجوز أن يبقى رهينة الانتظار، وقوة الدول لا تُقاس بما تملكه من خطط فقط، بل بقدرتها على تحويل تلك الخطط إلى فرص حقيقية وحياة كريمة لمواطنيها.




