مقالات

سباق الرواتب والأسعار: من يوقف الالتهام الهادئ للمدخرات

نشامى الاخباري _ محمد محيسن

بالشوكة والسكين، وبهدوء إداري يثير الإعجاب، تمضي الحكومات المتعاقبة في التهام ما تبقى من مدخرات المواطنين ودخولهم، وتحديداً أولئك الذين ما زالوا يحولون مقاومة السقوط من الطبقة الوسطى إلى قاع الحاجة.
وبقدر ما تتحدث الحكومات عن حماية هذه الطبقة والحفاظ على تماسك المجتمع، يعمل خبراء القضم والبلع والتشليح على اختراع المزيد من الضرائب والرسوم والقرارات التي تجعل راتب المواطن أقصر، وفاتورته أطول، وحياته أكثر كلفة.
والمشكلة ليست في قرار واحد، ولا في رفع سعر سلعة واحدة، وإنما في ذلك التراكم الصغير الذي لا نشعر به في يومه الأول، ثم نكتشف بعد سنوات أنه التهم جزءاً كبيراً من قدرتنا على العيش.
ولعل أكثر ما يوجع المواطن اليوم ارتفاع أسعار المحروقات. فكل ارتفاع في سعر البنزين أو الديزل لا يبقى محصوراً في محطة الوقود، سرعان ما يجد طريقه إلى أجرة النقل، وأسعار الخضار والمواد الغذائية، وكلفة الخدمات، وإيجارات المحال، وحتى إلى سعر كوب القهوة الذي صار يحتاج إلى جلسة تفاوض مع المحفظة قبل طلبه.
وحين ترتفع كلفة الطاقة والنقل، لا ترتفع الأسعار وحدها، بل ينخفض شيء آخر أكثر أهمية: قدرة المواطن على الاحتمال.
والمواطن الذي كان يستطيع في السابق أن يدخر جزءاً من راتبه للطوارئ أو لتعليم أبنائه أو لشراء منزل، بات يجد نفسه منشغلاً بالسؤال الأكثر بدائية، كيف يصل إلى نهاية الشهر من دون أن يستدين؟
هنا بالضبط تبدو حكاية الطبقة الوسطى، فهي لا تحصل عادةً على ما يكفيها من الدعم، ولا تملك ما يكفيها من الثروة لتحمل موجات الغلاء المتلاحقة. تدفع ضرائبها، وفواتيرها، وأقساطها، ومواصلاتها، وتكاليف تعليم أبنائها وعلاجهم، ثم تسمع في نهاية المطاف أنها ما زالت أفضل حالاً من الفقراء.
وكأن المطلوب منها أن تكون فقيرةً ولكن بملابس الطبقة الوسطى.
أما الفقير، فالمعادلة أكثر قسوة. فكل زيادة في أسعار المحروقات تعني له زيادة في كلفة المواصلات والطعام والخدمات، وكل ضريبة جديدة تعني اقتطاعاً إضافياً من دخل محدود أصلاً. ومع تراجع القدرة الشرائية، تتحول أشياء كانت من أبسط حقوق الحياة إلى كماليات: زيارة الطبيب، شراء الدواء، تناول وجبة خارج المنزل، أو حتى إصلاح سيارة قديمة يعتمد عليها صاحبها في رزقه.
وهكذا لا تعود القضية قضية «رفع أسعار»، وإنما قضية إعادة توزيع للأعباء.
ومن المؤسف أن المواطن غالباً ما يُطلب منه أن يتحمل هذه الأعباء باسم الإصلاح، وترشيد الإنفاق، ومعالجة الاختلالات المالية، بينما لا يرى بالسرعة نفسها إصلاحاً موازياً في الهدر، أو تحسيناً ملموساً في الخدمات، أو توسعاً حقيقياً في فرص العمل والدخل.
نحن لا نعترض على الإصلاح، ولا نطالب بأن تبقى الأسعار ثابتة إلى الأبد، ولا نعتقد أن الحكومات تملك عصا سحرية. لكن السؤال البسيط الذي يحق للمواطن طرحه هو: من يدفع ثمن الإصلاح؟
فإذا كان الإصلاح يعني أن يدفع الموظف وصاحب الدخل المحدود والتاجر الصغير والمزارع والعامل الكلفة الأكبر، بينما تبقى الثروة مركزة في أيدي قلة، فإن المشكلة لا تكون في الإصلاح نفسه، بل في الطريقة التي يُوزَّع بها.
لقد تغيّرت الحياة كثيراً منذ أن كتبت هذه السطور أول مرة. تغيرت التكنولوجيا، وتغيرت وسائل العمل، وتغيرت الأسواق، ودخلت علينا مصطلحات جديدة لا تنتهي: الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والعمل عن بعد، والتحول الإلكتروني، والطاقة المتجددة.
لكن هناك شيئاً واحداً يبدو أنه لم يتغير كثيراً: راتب المواطن ما زال يركض خلف الأسعار، والأسعار لا تنتظره.
بل إن المواطن اليوم يعيش تحت ضغط مزدوج؛ ضغط ارتفاع كلفة الحياة، وضغط القلق من المستقبل. فحتى من لديه عمل لم يعد يشعر بالضرورة بالأمان الذي كان يمنحه الراتب الثابت في الماضي. الوظيفة نفسها لم تعد ضمانة كافية، والادخار أصبح أصعب، وامتلاك منزل صار حلماً مؤجلاً لدى كثيرين، فيما تتقدم الالتزامات بسرعة تفوق نمو الدخول.
هناك، بعيداً عن لغة الأرقام الرسمية، يظهر الاقتصاد الحقيقي.
اقتصاد المواطن الذي يشتري بالقطعة، ويدفع بالتقسيط، ويؤجل حاجاته، ويستدين للطوارئ، ويبحث عن عمل إضافي بعد انتهاء دوامه، بينما تتآكل مدخراته شيئاً فشيئاً.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
إلى متى يمكن أن يستمر القضم قبل أن لا يبقى ما يمكن قضمه؟
فالمجتمع لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد على فكرة أن الفقراء سيتحملون أكثر، وأن الطبقة الوسطى ستشد الحزام أكثر، وأن أصحاب الدخول المحدودة يستطيعون دائماً التنازل عن شيء جديد.
فقد تنازل الناس عن كثير.
تنازلوا عن السفر، وعن المطاعم، وعن الكماليات، وعن بعض أحلامهم، وعن جزء من مدخراتهم، وعن كثير من رفاهيتهم. وبعضهم اضطر إلى الاستدانة، وبعضهم إلى العمل بوظيفتين، وبعضهم إلى الهجرة بحثاً عن حياة أقل قسوة.
ومع ذلك، ما زالت فاتورة الحياة تكبر.
المشكلة الحقيقية ليست أن المواطن يريد أن يعيش في رفاهية، وإنما أنه يريد أن يعيش بكرامة.
يريد أن يعمل فيحصل على دخل يحمي أسرته من الحاجة، وأن يمرض فيجد علاجاً لا يهدد بيته، وأن يعلّم أبناءه دون أن يغرق في الديون، وأن يركب سيارته أو وسيلة النقل دون أن يشعر أنه يدفع ضريبة على كل كيلومتر، وأن يرى ثمرة عمله في مستوى معيشته، لا أن يكتشف في نهاية كل شهر أن راتبه اختفى قبل أن ينتهي الشهر.
أما استمرار تحميل المواطن كل فاتورة جديدة، ثم مطالبته بالصبر والتحمل، فليس سياسة اقتصادية بقدر ما هو اختبار طويل لقدرة الناس على الاحتمال.
والخوف ليس من الفقر وحده.
الخوف الأكبر هو أن تفقد الطبقة الوسطى إيمانها بأن العمل والاجتهاد يمكن أن يقودا إلى حياة أفضل.
فحين يصبح الموظف المجتهد عاجزاً عن شراء منزل، وحين يجد الشاب أن سنوات الدراسة والشهادات لا تضمن له عملاً مستقراً، وحين يتحول الادخار إلى مهمة شبه مستحيلة، وحين يشعر المواطن أن كل زيادة في دخله ستسبقها زيادة أخرى في الأسعار، فإن شيئاً أعمق من القدرة الشرائية يبدأ بالتآكل.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *