
مجلس النواب أمام الاختبار: رقابة بلا محاسبة؟
كثرة الأسئلة لا تعني فاعلية الرقابة، والإجابات لا تكفي ما لم تُفضِ إلى تصحيح الخلل ومحاسبة المقصر؛ فهل يثبت المجلس استقلاله أمام الحكومة؟
«لا قيمة لرقابة تُسجَّل في المحاضر ولا يظهر أثرها في الواقع؛ فالمحاسبة ليست سؤالاً يُطرح، بل مسؤولية تُحدَّد وخلل يُصحَّح ونتيجة يلمسها المواطن».
نشامى الاخباري _ اللواء المتقاعد طارق عبدالمحسن الحباشنة
ليست القضية من يفوز برئاسة مجلس النواب، ولا كيف تتشكل التفاهمات التي تسبق انتخاب الرئيس، بل ما الذي سيتغير بعد حسم هذا الاستحقاق؟ فالموقع، مهما بلغت أهميته، لا يمنح المجلس حصانة من النقد، ولا يشكل بحد ذاته دليلاً على قوة المؤسسة التشريعية. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تواجه الحكومة أسئلة صعبة، وتُطرح ملفات تمس المال العام والخدمات وفرص العمل، ويصبح مطلوباً من المجلس أن يتخذ موقفاً واضحاً، ويتابع الإجابات، ويطالب بالتصحيح عند ثبوت الخلل. أما اختزال الأداء النيابي في إدارة الجلسات وتسجيل الأسئلة وإحصاء الإجابات، فيعني الخلط بين ممارسة الإجراءات وتحقيق الغايات التي وُجدت من أجلها.
وتنظم المادة 69من الدستور الأردني انتخاب رئيس مجلس النواب، في إطار مسؤولية المجلس عن إدارة شؤونه وممارسة اختصاصاته. ومن الطبيعي أن تنشأ تفاهمات بين النواب والكتل، وأن تتواصل الحكومة مع أعضاء المجلس؛ فالتعاون بين السلطتين ضرورة لإنجاز التشريعات وخدمة المصالح العامة. لكن هذا التعاون لا يجوز أن يتحول إلى مبرر لتراجع الرقابة، كما أن التوافق السياسي لا يُعد إنجازاً إذا جاء على حساب مساءلة الحكومة. ولا يصح اتهام أي طرف بالتدخل أو التأثير غير المشروع دون دليل؛ غير أن استقلال المجلس لا يُثبت بالشعارات، بل بالمواقف التي يتخذها عندما تتعارض مقتضيات الرقابة مع الحسابات السياسية. وهنا يبرز السؤال: هل يستطيع المجلس ممارسة صلاحياته كاملة، حتى عندما تكون المساءلة محرجة أو تتطلب موقفاً لا ينسجم مع التفاهمات القائمة؟
وتكشف الأرقام المنشورة عن فجوة تستحق المساءلة بين حجم النشاط الرقابي ومستوى النقاش تحت القبة. ففي الإيجاز الصحفي لرئيس مجلس النواب بتاريخ 28 نيسان 2026، أُعلن عن تقديم 770 سؤالاً رقابياً خلال الدورة العادية الثانية، أُجيب عن 577 منها، بنسبة بلغت نحو 75%، فيما بقي 193 سؤالاً دون إجابة وقت إعلان الحصيلة. وفي تقرير نشره مركز الحياة – راصد في اليوم التالي، ورد أن تسعة أسئلة فقط من الأسئلة المقدمة خلال الدورة العادية الثانية نوقشت تحت القبة. وفي المقابل، بلغ مجموع الأسئلة المدرجة على جداول الأعمال 44 سؤالاً، نوقش منها 41، وكانت 80% من هذه الأسئلة قد قُدمت خلال العام الأول، مقابل 20%، أي تسعة أسئلة، خلال الدورة العادية الثانية. وهنا لا بد من التمييز بين عدد الأسئلة المقدمة، وعدد الأسئلة المدرجة على جداول الأعمال، وعدد ما نوقش فعلياً؛ فلكل رقم دلالته. لكن السؤال الأهم يبقى: ما النتائج التي ترتبت على هذه الرقابة؟ وكم قضية عولجت، وكم قراراً صُحح، وكم خللاً أُوقف؟ إن عرض الأرقام وحده لا يكفي لإثبات فاعلية الرقابة؛ فالمعيار الحقيقي هو ما تحقق نتيجة لها، لا ما سُجّل في حصيلتها.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: السؤال النيابي ليس نهاية المساءلة، بل بدايتها. فالإجابة التي لا تعالج أصل المشكلة، أو لا تتضمن معلومات كافية، أو لا تتبعها إجراءات عند ثبوت التقصير، لا يمكن اعتبارها دليلاً كافياً على فاعلية الرقابة. كما أن بقاء السؤال دون إجابة يستدعي متابعة واضحة، لا أن يتحول إلى رقم إضافي في تقرير سنوي. والمجلس مطالب بأن يميز بين سؤال قُدّم، وآخر نوقش، وثالث انتهى إلى معالجة موثقة؛ فهذه مراحل مختلفة لا يجوز جمعها تحت عنوان واحد يوحي بأن مجرد النشاط يعني تحقق النتيجة. وإذا لم تُقَس الرقابة بما أحدثته من تغيير، فكيف يستطيع المواطن أن يعرف إن كانت قد أدت وظيفتها، وإن كانت مساءلة الحكومة قد تجاوزت حدود الإجراء إلى جوهر المسؤولية؟
وتتحمل رئاسة المجلس مسؤولية محورية في جعل الرقابة ممارسة فاعلة، لا مجرد بند ضمن جدول الأعمال. فدورها لا يقتصر على إدارة الجلسات وتنظيم المداخلات، بل يشمل صون حق النواب في السؤال والنقاش، وإتاحة المجال للرأي المخالف، وضمان متابعة الملفات التي تستوجب التوضيح والمساءلة. كما يتحمل النواب مسؤولية لا تقل أهمية؛ فلا يكفي تقديم السؤال أو تسجيل الموقف، بل يجب متابعة الإجابة، والتحقق من كفايتها، والعودة إلى الملف إذا بقي الخلل قائماً. أما الحكومة، فعليها أن تدرك أن الرد على السؤال النيابي ليس عبئاً إدارياً يُستوفى بصياغة جواب، بل التزام مؤسسي يقتضي تقديم معلومات واضحة والتعامل الجاد مع أوجه القصور. وحين تثبت المخالفة أو المسؤولية، ينبغي أن تكون هناك معالجة ومحاسبة وفق الأصول، لا أن تنتهي القضية بانتهاء النقاش.
ولا يُقاس استقلال مجلس النواب بعدد مرات خلافه مع الحكومة، كما لا يُقاس نجاحه بمدى انسجامه معها. فالرقابة المسؤولة لا تعني المعارضة الدائمة، والتعاون لا يعني التساهل مع التقصير. المطلوب مجلس يساند ما يثبت نفعه للمصلحة العامة، ويعترض على ما يستوجب الاعتراض، ويطالب بالتفسير حين تكون الإجابات غير كافية، ويتمسك بالمساءلة عندما تتطلب الوقائع ذلك. أما التوافق الذي يمنع فتح الملفات الصعبة، أو يحول دون متابعة الأسئلة الجوهرية، فلا يمكن اعتباره نجاحاً مؤسسياً لمجرد أنه يخفف التوتر بين السلطتين. والحكم على المجلس يجب أن يستند إلى سجل معلن من المواقف والإجراءات والنتائج، لا إلى النوايا أو الاصطفافات أو التصريحات وحدها.
وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن هو المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به قيمة هذا الأداء. فالمواطن الذي يواجه كلفة المعيشة، ويبحث عن فرصة عمل، وينتظر خدمات أفضل، لا تكفيه أرقام الأسئلة والإجابات، بل يريد أن يعرف ما الذي تغير في حياته نتيجة الرقابة النيابية. ومن حقه أن يطّلع على حصيلة دورية توضح الملفات التي أُثيرت، والإجراءات التي اتُّخذت بشأنها، والنتائج التي تحققت، والقضايا التي بقيت دون معالجة وأسباب ذلك. إن نشر مثل هذه الحصيلة ليس ترفاً إدارياً ولا انتقاصاً من هيبة المجلس؛ بل خطوة ضرورية لنقل تقييم الأداء من الانطباعات إلى الوقائع، ومن الوعود إلى النتائج القابلة للتحقق.
في المحصلة، مجلس النواب أمام اختبار يتجاوز انتخاب الرئيس وتوزيع المواقع: هل يستطيع أن يجعل الرقابة طريقاً إلى المحاسبة، أم ستبقى الأسئلة كثيرة والنتائج أقل مما ينتظره المواطن؟ إن قوة المؤسسة التشريعية لا تُقاس بما تملكه من صلاحيات على الورق، بل بقدرتها على استخدامها باستقلال ومسؤولية. وإذا لم تنتهِ الرقابة إلى نتائج واضحة، ولم تُتابَع الإجابات، ولم تُحدَّد المسؤوليات عند ثبوت التقصير، فستظل هناك فجوة بين الدور الدستوري المعلن والأثر الفعلي المنتظر. فالمجلس لا يُحاسَب على ما يسجله فقط، بل على ما يغيّره؛ والثقة العامة لا تُطلب بالكلمات، بل تُكتسب بأداء يثبت أن المساءلة حق للمواطن، وواجب على ممثليه، والتزام على الحكومة.




