راتب واحد ما بكفّي؟.. هل أصبح الأردني مضطرًا للعمل مرتين حتى يعيش مرة؟

نشامى الاخباري _ خاص_ لم تعد مسألة كفاية الرواتب في الأردن تقتصر على قيمة الأجر الذي يتقاضاه العامل شهريًا، بل باتت ترتبط بقدرته على تغطية التزاماته الأساسية في ظل تعدد النفقات المعيشية.
وبين تكاليف السكن والغذاء والنقل والفواتير، يبرز تساؤل حول قدرة الوظيفة الواحدة على توفير الاستقرار المالي، وما إذا كان العمل الإضافي قد أصبح ضرورة لدى بعض العاملين لتغطية احتياجاتهم.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل تفاوت مستويات الدخل بين العاملين، والتقديرات الاقتصادية المتعلقة بكلفة المعيشة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول الفجوة بين ما يتقاضاه الموظف شهريًا وما يحتاجه لتغطية التزاماته الأساسية.
600 دينار.. هل تكفي لتأمين حياة كريمة؟
يرى خبراء اقتصاديون أن تقييم كفاية الرواتب يجب أن يأخذ في الاعتبار تكاليف المعيشة الفعلية، وليس قيمة الأجر وحدها،وفي هذا السياق، طُرح تقدير اقتصادي يعتبر أن 600 دينار شهريًا تمثل حد الكفاف في الأردن، مع الإشارة إلى أن أصحاب الدخول الأقل قد يواجهون صعوبة في تغطية نفقاتهم، ما قد يدفع بعضهم إلى الاقتراض.
ويظل هذا الرقم تقديرًا اقتصاديًا، وليس حدًا رسميًا معتمدًا لكلفة المعيشة، إذ تختلف الاحتياجات المالية من شخص إلى آخر تبعًا لظروف السكن وعدد أفراد الأسرة والالتزامات الشهرية.
لكن هذا التقدير يعيد طرح سؤال جوهري حول قدرة أصحاب الدخول المحدودة على تلبية احتياجاتهم الأساسية دون اللجوء إلى مصادر دخل إضافية أو الاستدانة لتغطية النفقات.
الحد الأدنى للأجور.. وماذا عن النفقات الأساسية؟
يبلغ الحد الأدنى للأجور في الأردن 290 دينارًا شهريًا للعاملين المشمولين بالقرار، اعتبارًا من الأول من كانون الثاني 2025 وحتى نهاية عام 2027.
ويطرح هذا المستوى من الأجور تساؤلات بشأن قدرة العامل على تغطية احتياجاته الأساسية، لا سيما إذا كان يتحمل إيجار مسكن ومصاريف تنقل وفواتير والتزامات أسرية.
ولا يمكن الحكم على كفاية هذا المبلغ بمعزل عن النفقات الفعلية، إذ تختلف الأعباء المعيشية بين الأفراد والأسر، فالعامل الذي يسكن مع أسرته لا يتحمل بالضرورة النفقات ذاتها التي يتحملها من يدفع إيجارًا شهريًا، كما تختلف احتياجات الأسرة التي تضم أطفالًا عن احتياجات الفرد الذي يعيش بمفرده.
ومع ذلك، فإن المقارنة بين الحد الأدنى للأجور والتقديرات المتعلقة بالدخل اللازم لتغطية الاحتياجات المعيشية تبرز أهمية دراسة الفجوة بين الأجر والإنفاق بصورة أكثر تفصيلًا.
العمل الإضافي.. لتحسين الدخل أم لتغطية العجز؟
يلجأ بعض العاملين إلى أعمال إضافية لزيادة دخولهم أو توفير مدخرات، فيما قد يجد آخرون أنفسهم بحاجة إلى مصدر دخل ثانٍ لتغطية التزاماتهم الشهرية.
غير أن حجم هذه الظاهرة في الأردن لا يمكن تحديده من خلال مستويات الأجور وحدها؛ إذ يتطلب ذلك بيانات مباشرة عن العاملين في أكثر من وظيفة، وأسباب الجمع بين الوظائف، ومدى ارتباط ذلك بعدم كفاية الدخل الأساسي.
كما أن العمل الإضافي قد يترتب عليه استنزاف الوقت والجهد، وتقليص فرص الراحة والحياة الأسرية، خصوصًا عندما يصبح جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية وليس خيارًا مؤقتًا لتحسين الدخل.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بوجود أعمال إضافية، بل بالظروف التي تدفع العامل إلى البحث عنها، ومدى ارتباط ذلك بقدرته على تغطية احتياجاته الأساسية من راتبه الرئيسي.
الأجور وكلفة المعيشة.. معادلة تحتاج إلى مراجعة
تسلط النقاشات الاقتصادية حول مستويات الأجور وكلفة المعيشة الضوء على أهمية تقييم العلاقة بين الدخل والإنفاق، مع ضرورة التمييز بين الأرقام الرسمية والتقديرات التي يطرحها الخبراء.
فقيمة الراتب وحدها لا توضح مقدار ما يتبقى للعامل بعد دفع التزاماته، كما أن تقدير كفاية الدخل يحتاج إلى بيانات حديثة عن تكاليف السكن والغذاء والنقل والصحة والتعليم، إلى جانب حجم الأسر ومصادر دخلها.
وفي المحصلة، لا تثبت المؤشرات المتاحة أن الأردني أصبح مضطرًا بصورة عامة إلى العمل في وظيفتين، لكنها تفتح نقاشًا حول كفاية الأجور ومدى قدرة الدخل الأساسي على توفير الاستقرار المعيشي.
ويبقى تحديد حجم الظاهرة وأسبابها بحاجة إلى بيانات مباشرة وشهادات موثقة من العاملين، تكشف كيف تتوزع رواتبهم بين الالتزامات الشهرية، وما إذا كان العمل الإضافي خيارًا لتحسين مستوى المعيشة أم ضرورة لتغطية متطلباتها الأساسية.



