مقالات

العظامات يكتب: الخصوصية، وهمٌ قانوني في عالم المراقبة الذكية تحقيق فكري في زمن نتطوّع فيه ببياناتنا

نشامى الاخباري _  عروة العظامات

لم نعد نعيش تحت المراقبة بقدر ما نعيش داخلها. الفارق جوهري. فالمراقبة الكلاسيكية كانت تُفرض من الأعلى: كاميرات، أجهزة أمن، أسلاك تتنصّت. أما اليوم، فنحن من نمدّها بالوقود. نضغط «موافق» بطمأنينة، نُنزّل التطبيقات بشهية مفتوحة، ونشارك تفاصيل حياتنا بدافع الراحة، أو الفضول، أو الخوف من الفوات. لم نُراقَب؛ نحن نتطوّع ببياناتنا.

هذا التحقيق ليس عن «من يراقبنا»، بل عن سؤال أكثر إزعاجًا: هل انتهى مفهوم الخصوصية فعلًا؟ أم أننا نتمسّك بمصطلح فقد معناه، بينما نواسي أنفسنا بقوانين لا تواكب الذكاء الذي يقرأنا قبل أن ننطق؟

الخصوصية كما كانت… والخصوصية كما صارت

في صيغتها التقليدية، كانت الخصوصية حدًّا واضحًا: ما داخل البيت ليس للشارع، وما في الرأس ليس للملف. القانون وُضع ليحمي هذا الحدّ. لكن الذكاء الاصطناعي لا يعترف بالحدود؛ هو يعمل على الاحتمال، على التنبؤ، على ربط النقاط. لا يحتاج أن «يعرف» ليقرر، يكفيه أن «يرجّح».

حين تمنح تطبيقًا حق الوصول إلى موقعك «أثناء الاستخدام»، فأنت لا تمنحه نقطة على الخريطة، بل نمط حياة. متى تستيقظ، أين تعمل، مع من تلتقي، وما الذي يُقلقك. البيانات الصغيرة بريئة وحدها؛ لكنها معًا سيرة ذاتية بلا حبر.

الوهم القانوني: موافقة شكلية في معركة غير متكافئة

القانون يقول إن الخصوصية محمية «بالموافقة». لكن أي موافقة هذه حين تكون الخيارات: إمّا القبول أو الإقصاء؟ إمّا المشاركة أو الحرمان من الخدمة؟ إنها موافقة شكلية في سوق غير متكافئ، حيث تُختصر الحقوق في زرّ واحد، ويُختزل الفهم في صفحة شروط لا يقرأها أحد.

القوانين وُلدت لحماية الفرد من تعسّف السلطة، لكنها اليوم تواجه سلطة من نوع آخر: خوارزميات بلا وجه، شركات عابرة للحدود، ونماذج أعمال لا ترى الإنسان إلا كحزمة إشارات. الخصوصية هنا ليست حقًا يُنتهك؛ بل عملة تُصرف.

من المراقبة إلى «الطواعية الرقمية»

المفارقة أننا نُسهم في تقويض خصوصيتنا باسم الراحة. نطلب توصيات أدق، إعلانات «تفهمنا»، خرائط «تسبقنا». نريد الذكاء دون ثمن، والنتيجة أن الثمن يُسحب من جيب غير مرئي: بياناتنا.

الذكاء لا يراقبك ليعاقبك؛ يراقبك ليُقنعك. ليوجّه اختياراتك، يُعدّل مزاجك، يرفع احتمال نقرك على زرّ بعينه. هذه ليست دولة بوليسية؛ إنها اقتصاد الانتباه حين يتحوّل الإنسان إلى مشروع تنبؤ.

هل ماتت الخصوصية أم تغيّرت؟

الإجابة الأسهل: نعم، انتهت. لكنها كسولة. الأدقّ أن نقول إن الخصوصية تغيّرت طبيعتها. لم تعد «سرّية مطلقة»، بل «إدارة مخاطر». لم يعد السؤال: هل يعرفون؟ بل: ماذا سيفعلون بما يعرفون؟ ولصالح من؟

في هذا التحوّل، لم يعد كافيًا أن نُخفي، بل أن نُحدّد، نُجزّئ، ونفاوض. الخصوصية لم تعد جدارًا؛ صارت سلسلة صمّامات. وهذا يتطلّب وعيًا فرديًا وقانونًا أكثر جرأة: قوانين تُقيد الاستخدام لا الجمع فقط، تُحاسب القرار الخوارزمي لا التخزين فحسب.

ما العمل؟ بين الواقعية والمقاومة الذكية

لا يمكن العودة إلى عصر ما قبل البيانات، لكن يمكن كبح الاندفاع الأعمى. البداية ليست بإغلاق الهاتف، بل بطرح أسئلة محرجة: لماذا يحتاج هذا التطبيق لهذا الإذن؟ لماذا هذا التتبع افتراضي؟ ولماذا يُكافأ الانتهاك بالغموض؟

ثم تأتي المسؤولية الجماعية: تشريعات تُجبر الشفافية، تمنح حق الاعتراض على القرارات الآلية، وتفصل بين الخدمة والمقايضة القسرية. والأهم: ثقافة رقمية تُعلّم أن «المجاني» غالبًا مدفوع سلفًا.

الخلاصة: الخصوصية لم تمت، لكنها مريضة

نحن لا نعيش في عالم بلا خصوصية، بل في عالم يُقنعنا بالتخلي عنها. الوهم ليس في القانون وحده، بل في الطمأنينة التي يمنحها. الخصوصية اليوم معركة فهم قبل أن تكون معركة تشريع. من يملك الفهم، يملك القدرة على الاختيار—ولو جزئيًا.

وفي زمن المراقبة الذكية، قد يكون آخر أشكال الخصوصية هو هذا الوعي نفسه: أن تعرف متى تُعطي، ولماذا، وماذا تطلب في المقابل. لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث ليس أن تُراقَب… بل أن تفعل ذلك راضيًا، دون أن تدري.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *