مقالات

قبل تعديل قانون الضمان الاجتماعي… من يحاسب على ما أوصلنا إلى هنا؟

السؤال اليوم ليس كيف نعدل قانون الضمان، بل كيف نعالج الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا المفترق

نشامى الاخباري _  اللواء المتقاعد طارق عبدالمحسن الحباشنة

أعاد الجدل الدائر حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي طرح سؤال وطني بالغ الأهمية يتجاوز بنود القانون نفسها: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها تحميل المشتركين أعباءً إضافية أحد الخيارات المطروحة لمعالجة التحديات التي تواجه المؤسسة؟ فالقضية اليوم ليست مجرد أرقام أو حسابات اكتوارية، بل تتعلق بثقة المواطنين بإدارة واحدة من أهم المؤسسات الوطنية التي تمس حياة مئات الآلاف من الأردنيين.

إن مؤسسة الضمان الاجتماعي لا تدير أموالاً عادية، بل تدير مدخرات وحقوق أجيال كاملة من العاملين والمتقاعدين. ولذلك فإن أي حديث عن رفع الاشتراكات أو تعديل المنافع أو تشديد شروط التقاعد يجب أن يسبقه حديث أكثر أهمية يتعلق بالمساءلة والشفافية وكشف الحقائق أمام الرأي العام.

ومن حق الأردنيين أن يعرفوا بوضوح ما إذا كانت المؤشرات والدراسات التي حذرت من التحديات المستقبلية قد جرى التعامل معها في الوقت المناسب، وما إذا كانت جميع الجهات المعنية قد قامت بأدوارها كاملة في المتابعة والرقابة والتخطيط الاستراتيجي. فالمسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية تشاركية تتوزع بين الجهات التنفيذية والتشريعية والرقابية، كل ضمن اختصاصه ودوره الدستوري.

“الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من جيب المواطن، بل من محاسبة التقصير، وتصحيح الخلل، وتعزيز الثقة في إدارة أموال وحقوق المشتركين.”

كما أن من حق المواطنين الاطلاع على صورة واضحة وشاملة حول واقع المؤسسة المالي، وأداء استثماراتها، ونتائج الدراسات الاكتوارية، وخططها المستقبلية. وقد برزت خلال النقاشات الأخيرة موضوعات الحوكمة المؤسسية وإدارة أموال الضمان باعتبارها من المحاور الرئيسية في أي حديث عن الإصلاح، فالمواطن لا يبحث فقط عن ضمان مالي عند التقاعد، بل عن الاطمئنان إلى أن أمواله تُدار بكفاءة وشفافية ومسؤولية. فالثقة لا تُبنى بالتصريحات العامة، وإنما بالشفافية الكاملة وتوفير المعلومات الدقيقة التي تمكن الرأي العام من فهم التحديات والحلول المطروحة.

ولا يجوز أن يكون المواطن الحلقة الأسهل في أي معادلة إصلاح. ففي ظل ارتفاع كلف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية والضغوط الاقتصادية التي تعيشها شريحة واسعة من الأسر الأردنية، يصبح من الضروري أن يراعي أي إصلاح البعد الاجتماعي إلى جانب الاعتبارات المالية، وأن يحقق توازناً عادلاً بين متطلبات الاستدامة وحماية الحقوق المكتسبة.

وإذا كانت هناك حاجة فعلية لإصلاحات تشريعية أو مالية، فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ أولاً بمراجعة السياسات السابقة، وتعزيز الحوكمة والرقابة، ورفع مستوى الكفاءة الإدارية والاستثمارية، وتحديد مواطن الخلل ومعالجتها بوضوح ومسؤولية. فالإصلاح الذي يركز على النتائج دون معالجة الأسباب يبقى إصلاحاً منقوصاً مهما كانت مبرراته.

إن ما يحتاجه هذا الملف اليوم ليس مزيداً من الجدل أو التأجيل، بل مراجعة وطنية جادة ومصارحة شفافة مع المواطنين حول الواقع والتحديات والمسؤوليات. فالمساءلة ليست ترفاً سياسياً، بل شرط أساسي لاستعادة الثقة وضمان نجاح أي إصلاح مستقبلي. وأي إدارة جديدة أو معاد تعيينها ستبقى مطالبة بإثبات قدرتها على استعادة الثقة، لأن معيار النجاح لا يقاس بالأشخاص أو المناصب، بل بالنتائج والقدرة على معالجة أسباب الأزمة من جذورها.

وقبل أن يُطلب من المواطن تحمل أي كلفة إضافية، يبقى من حقه أن يعرف كيف أُدير هذا الملف خلال السنوات الماضية، وما الذي أوصلنا إلى هذه اللحظة، وما هي الخطوات العملية التي ستتخذها الدولة بمختلف مؤسساتها لضمان عدم تكرار الأخطاء مستقبلاً. فالأموال أموال المواطنين، والحقوق حقوق المواطنين، والمساءلة ليست ترفاً سياسياً أو مطلباً إعلامياً عابراً، بل واجب وطني وأخلاقي لا يجوز تأجيله.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *