
خدمة العلم 2026: عودة برؤية جديدة لبناء الإنسان والدولة
ولي العهد يرسم ملامح مرحلة وطنية جديدة عنوانها الانضباط والجاهزية الشاملة
نشامى الاخباري _ اللواء المتقاعد طارق عبدالمحسن الحباشنه
حين تعيد الدولة تفعيل برنامج بحجم خدمة العلم، فالأمر لا يتعلق بالماضي، بل بالمستقبل.
وحين تأتي هذه العودة برؤية جديدة، فإنها تعكس تحولاً في طريقة التفكير، لا مجرد تحديث في الأدوات.
تخريج الدفعة الأولى من برنامج خدمة العلم لعام 2026، برعاية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، يكشف أن الأردن لا يعيد تجربة، بل يمهد لمرحلة جديدة، عنوانها بناء الإنسان كمدخل أساسي لبناء الدولة.
لم يكن هذا الحدث تقليدياً، بل محطة مفصلية تعكس تحولاً عميقاً في الفكر الوطني، يتجاوز فكرة “عودة البرنامج” إلى إعادة تعريف دوره ووظيفته في حياة الدولة والمجتمع.
ما نشهده اليوم هو انتقال واضح من مفهوم “التجنيد المؤقت” إلى “التأهيل الوطني الشامل”، حيث لم تعد خدمة العلم مجرد تجربة زمنية محدودة، بل أصبحت مشروعاً استراتيجياً لإعادة بناء الإنسان الأردني، وصياغة شخصيته على أسس من الانضباط والمسؤولية والانتماء الفاعل.
كلمة سمو ولي العهد جاءت لتعلن عن هذا التحول، مؤكدة أن الخدمة لم تعد مقتصرة على التدريب العسكري، بل باتت منظومة متكاملة تُعنى ببناء الوعي، وتعزيز روح الفريق، وترسيخ قيم العمل والإنتاج، بما يجعل الانتماء ممارسة يومية تُترجم في مختلف مواقع العمل.
وفي ظل واقع إقليمي مضطرب وتحديات عالمية متسارعة، لم يعد الأمن مفهوماً عسكرياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بقدرة المجتمع على التكيف والإنتاج والجاهزية الشاملة، وهو ما يضع خدمة العلم في قلب معادلة الأمن والتنمية معاً.
لكن البعد الأعمق لهذا التحول يكمن في معالجة التحديات الداخلية، حيث يسهم البرنامج في إعادة ضبط السلوك المجتمعي، وتعزيز ثقافة الانضباط، ورفع مستوى الإنتاجية، وبناء شعور حقيقي بالمسؤولية، وهي عناصر لا تقل أهمية عن أي تهديد خارجي.
كما أن إدماج المهارات الحديثة والتكنولوجيا ضمن البرنامج يعكس تحولاً نوعياً يجعله منصة للتأهيل العملي وربط الشباب بسوق العمل، بما يعزز من دورهم كقوة منتجة، ويمنح الدولة قاعدة بشرية أكثر كفاءة وجاهزية للمستقبل.
في المحصلة، لم تعد خدمة العلم خياراً مؤقتاً، بل أصبحت ضرورة دولة، وأداة استراتيجية لإعادة هندسة الوعي الوطني، وبناء جيل قادر على مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص، في نموذج يقوم على أن الإنسان هو نقطة البداية وأساس القوة.
فالدول لا تُبنى بالموارد وحدها… بل بالإنسان القادر على تحويلها إلى إنجاز.




