مقالات

زايد بتغدى..!

نشامى الاخباري _ محمد محيسن

قبل سنوات وفي أحد المستشفيات الحكومية، حصلت معي هذه القصة الطريفة ولا أستبعد أن تتكرر اليوم في مواقع أخرى كثيرة، وإن اختلفت الأسماء والصور والتفاصيل.
تذكرت هذه القصة عندما ذهبت مع ابني لإتمام معاملة التحاقه بأحد الجامعات المحترمة ـ أوكد انها محترمة ـ ولكن الطبيعة البيروقراطية اجرتني والكثير من غيري عن مواصلة البحث عن واسطة مجبرا.
القصة بدأت عندما تجمع عدد كبير من المراجعين أمام أحد مكاتب الموظفين، الذي كان خاليا تماما إلا من بعض الأوراق المبعثرة، وقليل من الملفات المتناثرة على الطاولة بطريقة فوضوية.
ومع مرور الوقت، ازداد عدد المراجعين، وازدادت معه حالات التندر والتذمر. بعضهم بدأ يتساءل عن سبب التأخير، فيما كان آخرون يبحثون عن “معارف “يمكن أن يساعدوا في “تمشية المعاملة”.
وبعد أكثر من ساعة من الانتظار، جاء شخص، علمنا لاحقا أنه مراسل، ليبلغنا بأن علينا المزيد من الانتظار.
تعالت الأصوات احتجاجا، فجاءت الإجابة الصاعقة:
زايد قاعد بتغدى.. وما عليكم إلا الانتظار، واللي مش عاجبه يرجع بكرة.
قد تبدو الحكاية للوهلة الأولى مجرد موقف عابر انتهى بمجرد عودة «زايد» من الغداء. لكن المشكلة ليست في غداء زايد، ولا في زايد نفسه، المشكلة في عقلية إدارية تجعل مصالح عشرات المواطنين والمرضى معلقة على عودة موظف من وجبته.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
ففي بعض المؤسسات، وخصوصًا تلك التي يتعامل معها المواطن بشكل يومي، ما زالت الإجراءات الإدارية قادرة على تحويل أبسط المعاملات إلى رحلة طويلة من الانتظار والتواقيع والمراجعات.
وفي المستشفيات الحكومية، قد يحتاج المريض إلى أكثر من مرافق، ليس بسبب حالته الصحية بالضرورة، وإنما بسبب كثرة الإجراءات الإدارية وتعدد النوافذ والمكاتب، واحتمال توقف معاملة كاملة لأن الموظف المعني غير موجود، أو مشغول، أو ذهب لإنجاز أمر شخصي.
زيارة واحدة إلى بعض هذه المؤسسات قد تكشف المشهد بوضوح: صفوف طويلة، أوراق تنتقل من مكتب إلى آخر، تواقيع متعددة، موافقات لا يعرف المواطن أحيانًا سبب حاجته إليها، ووقت يضيع في إجراءات كان يمكن اختصارها في دقائق.
وقد تخرج في نهاية اليوم أكثر تعبًا وعجزًا مما كنت عليه قبل أن تدخل.
المشكلة هنا ليست في الموظف وحده، وليست في المواطن وحده، وإنما في ثقافة إدارية كاملة تسمح بأن يصبح الوقت العام بلا قيمة، وأن تتحول الخدمة التي يفترض أن يحصل عليها المواطن بحقه إلى “معروف” يحتاج إلى واسطة أو تدخل شخص يعرف شخصًا آخر.
البيروقراطية حين تتحول إلى أسلوب حياة لا تعطل المعاملات فقط؛ إنها تستهلك وقت الناس، وتستنزف الموظفين، وتزيد كلفة الخدمات، وتخلق شعورًا دائما لدى المواطن بأن حقوقه تحتاج إلى من يساعده في الحصول عليها.
والأخطر من ذلك أن التعقيد الإداري يفتح الباب أمام الواسطة والمحسوبية والفساد.
فحين يجد المواطن أن معاملته قد تبقى أيامًا أو أسابيع بسبب إجراء يمكن إنجازه في دقائق، سيبدأ بالبحث عن أقصر طريق. وإذا كان أقصر الطرق هو “المعرفة” أو «الواسطة»، فإن النظام نفسه يكون قد دفعه دفعًا إلى البحث عنها.
وهكذا يصبح الفساد في بعض الأحيان ليس هو المشكلة الأولى، وإنما نتيجة طبيعية لبيئة إدارية معقدة لا تحترم وقت المواطن ولا تبسط إجراءاته.
الى حد ما حدث تكرر هذا الموقف معي في أحد الجامعات الحكومية، ولكنني لم اجد واسطة لإكمال المعاملة.. وللحديث لم يكتمل..

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *