
الأردن.. واحة من ذهب وألسنة من خشب!
نشامى الاخباري _ بقلم نضال انور المجالي
من العجائب الكونية التي تقف أمامها قوانين الفيزياء والمنطق عاجزة، تلك الظاهرة المرتبطة بقطعة أرض صغيرة مساحتها بالكاد تظهر على الخريطة دون مكبر صوت، اسمها الأردن.
حين تقع أي أزمة في المنطقة—من المحيط إلى الخليج، مروراً بسابع جار—يحدث التالي تلقائياً: تشتعل الحروب، تتقاذف الاتهامات، تتطاير الصواريخ، وتفتح أبواب الجحيم في كل مكان. وسط هذه الفوضى، يخرج المواطن العربي (أو المتابع الشغوف) ليلقي نظرة على الخريطة ويبحث عن “فندق الإيواء” المجاني الدائم، فيجد الأردن في انتظاره.
الاستضافة.. بالمجان والخدمة الفندقية الخمس نجوم!
الأردن، هذا البلد الذي جُبل على “العتبة المفتوحة”، يمارس هواية غريبة لا تقبلها أي دولة في العالم: استضافة العالم أجمع.
دخل اللجوء؟ أهلاً وسهلاً.
حلت نكبة؟ الدار داركم.
ضاقت السبل بأي مظلوم أو مضطهد أو هارب من جحيم وطنه؟ “تفضل، الصدر رحب والقهوة ديوانية!”.
شعب طوال تاريخه يعاني من شح الماء وارتفاع الأسعار، لكنه يصر دائماً على تقسيم رغيف الخبز إلى نصفين: نصف له، ونصف للضيف. الدولة بجيشها وأجهزتها ومؤسساتها تتحمل أضعافا مضاعفة من طاقتها الاستيعابية، تماماً مثل سيارة “تويوتا” قديمة يُحشر فيها عائلة من اثني عشر فرداً، ومع ذلك تصعد المنحدرات بقوة الصبر وبسالة الجيش وحكمة القيادة.
”تكرم عيونكم.. بس لو تسكتوا!”
المضحك والمبكي في آنٍ واحد، أنك تجد النزيل (أو من وجد في الأردن الملاذ والأمان حين عزّ الأمان) يقف فور أن يلتقط أنفاسه ويشرب فنجان القهوة، ليقوم بدور “الناقد الفني” أو “المحلل السياسي” الذي يوزع صكوك الوطنية والعروبة، ويبدأ في نقد البلد وأهله!
وكأن الأردن وقّع عقداً أبدياً مع الزمن ينص على: «تعالوا اسكنوا، احموا رؤوسكم بجيشنا، تمتعوا بأمننا، وكلوا من خيرنا… وفي المقابل، يحق لكم شتمنا على شاشات التلفزة ووسائل التواصل الاجتماعي ليلاً نهاراً!».
بل ويأتيك أحدهم من خلف الشاشات، وهو آمن في بيته الذي حمته جغرافيا هذا البلد وكرامة شعبه، ليحدثك عن “التقصير” و”المواقف”. وكأن المطلوب من الأردن أن يبني مدن فاضحة الرفاهية للزوار، بينما يُطلب من ابنه الأصلي أن يبحث عن لقمة عيشه بالقرعة!
لماذا الأردن بالذات؟
لأن الطيب في هذا الزمن يُعتبر “سذاجة”، ولأن فتح الباب لكل محتاج يُفسر خطأً بأنه ضعف.
لو أن الأردن أغلق حدوده، لقاموا الدنيا ولم قعدوها واتهموه بالقسوة وانعدام الإنسانية. وحين فتح حدوده واستوعب أضعاف حجمه من البشر، استمروا في توجيه التهم وإطلاق الألسنة الطويلة!
إنه بلد يعيش بمعادلة صعبة: كلما أعطيت أكثر، كلما زاد لسان العاتب طولاً!
باختصار شديد
الأردن ليس كاملاً، ويعاني من أزماته الاقتصادية وهموم أبنائه التي تعرفها كل عائلة أردنية تعصر دبر الكفاف لتكفي شهرها. لكنه ظلّ واحة أمان في إقليم مشتعل.
أما أولئك الذين يعيشون على خيره ويطعنونه في ظهره، فقصتهم أشبه بمن يحتمي تحت شجرة وارفة الظل من المطر، فما أن يتوقف المطر حتى يبدأ في قطع أغصانها ليصنع منها ناراً يتدفأ بها! لكن تبقى الجبال العالية لا تهزها ريح الألسنة الرخيصة، ويبقى الأردن كبيراً بأهله، جيشه، ومليكه، مهما كثر النابحون.
حفظ الله الاردن والهاشمين




