
ما بين “أرسل سلامي” ومياه اليرموك
نشامى الاخباري _ المستشار الإعلامي جميل سامي القاضي
نهضت مبكرا بعد الصلاة، وكانت البداية تبشر بيوم جميل؛ أداء بطولي للمصريين في كأس العالم أعاد إلينا شيئا من نشوة الانتصارات العربية التي تجعل الإنسان يشعر أن المستحيل يمكن أن يصبح ممكنًا ، ومن فرط الفرح أرسلت سلامي مع محمد عبده، وتركت الأغنية تمضي بخفة نحو صباح يبدو واعدا.
ولأن المفاجآت الجميلة لا تأتي وحدها، وصلتنا أخبار مفرحة عن دور المياه وهنا ارتفع منسوب السعادة داخلي بشكل خطير، حتى شعرت أنني أعيش يوما استثنائيا؛ كرة قدم جميلة، وأغان جميلة، ومياه في موعدها! بدا الأمر أقرب إلى اجتماع نادر للكواكب لا يتكرر كثيرا.
لكن يبدو أنني بالغت في التفاؤل ، فمياه اليرموك، بكل خبرتها الطويلة، لا تسمح للمواطن بالانجراف خلف مشاعره كثيرا. فهي تمتلك حسا دراميا عاليا يجعلها تظهر ثم تختفي، كضيف ثقيل الظل يطرق الباب، يدخل نصف خطوة، يشرب القهوة ثم يغادر دون سلام.
انقطعت المياه كعادتها، وجاءت الحجج الواقعية كجيش احتياط دائم لا يخذلنا أبدا ، أعطال فنية، ضغط، ظروف تشغيلية، أحمال، صيانة، وربما حركة دوران الأرض حول الشمس إن تطلب الأمر ، حتى أصبحت أشعر أن المياه عندنا لا تضخ عبر الأنابيب، بل تمر أولًا عبر قسم الأعذار.
ولم تعد شركة مياه اليرموك مجرد مؤسسة خدمية؛ بل أصبحت مدرسة فكرية كاملة تعيد تعريف جديد لمفهوم الانتظار فهي علمتنا الصبر أكثر من كتب التنمية البشرية، وعلمتنا التخطيط الاستراتيجي؛ فأنت لا تملأ خزانا فقط، بل تبني مشروعًا قوميا فوق سطح المنزل استعدادا للحظة تاريخية قد تصل فيها المياه.
أصبح المواطن لا يسأل: “متى ستأتي المياه؟” بل: “هل وصلت لأحد أصلًا؟”. وصار صوت الهواء الخارج من الصنبور أكثر استقرارا من صوت الماء نفسه، حتى إن الحنفية أصبحت تنفث الآمال أكثر مما تنفث الماء.
في النهاية انتهى صباحي كما بدأ ، محمد عبده يرسل سلامي، والمصريون يرسلون فرحتهم، أما مياه اليرموك فقد أرسلت اعتذارا غير مباشر على هيئة صنبور يتأمل الحياة في صمت ويبدو أن الماء عندنا لم يعد خدمة تصل إلى البيوت… بل قصة تشويق أسبوعية ننتظر حلقتها القادمة.




