
يوميات في بلاد الصبر
نشامى الاخباري _ محمد محيسن
كل ما نستطيع قوله إننا شعب صابر، أو أننا في الطريق إلى مزيد من الصبر، وكأن أيامنا لا تبدأ إلا به، ولا تنتهي إلا بجرعة إضافية منه. يبدو أن الأقدار اختارت لنا أن نكون شعب الصبارين، حتى إننا اضطررنا على الصبر نفسه..
نصبر على الغلاء، ونصبر على البلاء، ونصبر على الوباء، ونصبر على الجفاء، ونصبر على ضيق الحال وقلة الحيلة. نصبر على لقمة العيش حتى تصبح أمنية، وعلى شربة الماء حين ترتفع كلفتها، وعلى الوعود التي تأتي كل مرة بثوب جديد، لكنها تنتهي غالبًا عند المحطة القديمة.
ونصبر، بالطبع، على تصريحات المسؤولين وخطط الحكومات، الطويلة والعريضة، والعميقة والرفيعة، والبديعة والوسيعة، التي تحتاج إلى صبر أطول من المدة التي تحتاج لتنفيذها. بعضها يولد جديدًا، وبعضها يستنسخ من خطط سابقة، وبعضها يعود إلينا بعد غياب، وكأنه اكتشف الحل أخيرًا، مع أنه سبق أن وعدنا به أكثر من مرة.
ولأننا شعب لا يحب أن يترك نفسه وحيدا في مواجهة الأزمات، فقد اخترعنا الحكم والأمثال، وجعلنا منها جرعات يومية لتسكين القلق وتهدئة الأعصاب. كلما ضاقت بنا الدنيا، “الصبر مفتاح الفرج”، وكلما تأخر الفرج، قلنا إن لكل شيء وقت وتدبير. وإذا طال الانتظار، استدعينا حكمة أخرى، ثم ثالثة ورابعة، حتى تكاد أمثالنا الشعبية تصبح مستشارا اقتصاديًا، ووزارة تخطيط، ومؤسسة للرعاية النفسية.
نقول: “اصبر تنل، و”طول البال يهدم الجبال”. وهي حكم جميلة، لا ننكر قيمتها ولا نشكك في مكانتها. لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده قليلًا: هل نصبر كي نعبر الأزمة، أم نصبر حتى ننسى أن هناك أزمة من الأساس..
فالصبر فضيلة حين يمنحنا القدرة على الاحتمال والعمل، لكنه قد يتحول إلى عبء حين يصبح بديلًا عن الفعل، وحين نربط أحلامنا بعقارب الساعة، ونؤجل مطالبنا من عام إلى عام، ومن حكومة إلى حكومة، ومن وعد إلى وعد، على أمل أن يأتي الفرج ذات يوم من تلقاء نفسه.
وللصبر عندنا مواسم وطقوس، بل تكاد له روزنامة خاصة. أما شهر رمضان، الذي ارتبط في تاريخنا بمحطات كبرى من العمل والتضحية والمعارك، فقد تحولت صورته في حياة كثيرين إلى موسم للسهر والتثاؤب والتخمة ومتابعة وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات.
يقولون للصبر حدود إلا أننا قررنا إلغاء الحدود، وفتحنا أبواب الاحتمال على مصراعيها. ننصح أنفسنا بالصبر، وننصح أبناءنا بالصبر، وننصح جيراننا بالصبر، بل إننا قد ننصح من يرهقنا بالصبر علينا، وكأن الصبر أصبح الحل الوحيد لكل مشكلة، والوصفة السحرية التي تصلح للغلاء والبطالة والانتظار وسوء الإدارة، مهما اختلفت الأسباب وتعددت النتائج.
والمفارقة أننا لا نميز دائما بين صبرين: صبر على ما نكره حتى نتجاوزه، وصبر على ما نحب حتى نحصل عليه. وبينهما مسافة كبيرة؛ فالأول قد يكون ضرورة، والثاني قد يكون أملًا، أما أن نصبر على كل شيء، وفي كل وقت، ومن دون أن نسأل أو نطالب أو نحاول التغيير، فذلك أمر آخر تمامًا.
وعندما تضيق بنا السبل، نبحث عن الحكمة في كل مكان؛ نأخذها من أفواه العقلاء، وربما من أفواه المجانين، ونستمع إليها في خطابات المسؤولين، ونقرؤها في الصحف والمواقع الإلكترونية. المهم أن نجد عبارة جميلة نعلّق عليها آمالنا.
لسنا ضد الصبر، ولا ندعو إلى التذمر من كل شيء. فالحياة لا تستقيم من دونه، والإنسان يحتاج إليه كي يواجه الشدائد ويواصل الطريق. لكن الصبر لا يعني أن نغلق أعيننا عن الخلل، ولا أن نصمت عن الخطأ.
ليس كل تأخير حكمة، وليس كل انتظار فضيلة، وليس كل من طال صبره بلغ مراده، ربما آن الأوان لأن ننتقل من مرحلة الصبر على المشكلات إلى مرحلة العمل على حلها،
وإذا كان لا بد لنا من أن نكون شعب الصبّارين، فليكن صبرنا قوة تدفعنا إلى الأمام، لا قيدا يجعلنا نراوح مكاننا.




