مقالات

توقفوا عن الكذب علينا.. سكان الأماكن المهجورة ليسوا “ملف دعارة”… بل ملف فقر وغياب دولة

نشامى الاخباري _   طارق عوده

في كل مرة تُثار قضية المباني المهجورة،
تتحول العناوين بسرعة قياسية إلى كلمة واحدة:
“دعارة”.
الإعلام يهوّل.
الناس تصدّق.
والدولة تتحرك أمنيًا.
وينتهي المشهد بصورة مداهمة… ثم صمت.
لكن الحقيقة التي لا يريد أحد قولها:
ليس كل من يسكن مبنى مهجورًا يمارس الدعارة.
وليس كل من ينام في الشارع منحرفًا أخلاقيًا.
بعضهم فقط… لا يملك مكانًا آخر يذهب إليه.
أسهل رواية… وأكذبها أحيانًا
عندما تصف ساكني الأماكن المهجورة بأنهم “بؤر فساد”،
أنت ترتاح أخلاقيًا.
لأنك لم تعد مضطرًا أن تشعر بالذنب تجاههم.
وصمهم يريح الضمير العام.
يحوّلهم من ضحايا إلى متهمين.
ومن بشر إلى “ملف أمني”.
لكن دعونا نسأل السؤال الذي يخشاه الجميع:
أين يذهب من لا يملك ثمن إيجار غرفة؟
أين ينام من لا يملك أهلًا؟
أين يعيش من خرج من بيت مفكك أو مؤسسة رعاية ولم يجد عملًا؟
هل المطلوب أن يختفوا حتى لا يزعجوا الصورة العامة؟
إذا أردنا محاربة الدعارة… فلنكن صادقين
الدعارة — إن وُجدت — لا تحتاج مبنى مهجورًا اليوم.
العالم أصبح رقميًا.
التطبيقات مفتوحة.
المواقع تعمل بلا توقف.
فلماذا يتحول الفقير إلى العنوان الرئيسي؟
لأن مطاردة الأضعف أسهل.
لأن المشرد لا يملك محاميًا.
لأن صورته لا تثير تعاطفًا سياسيًا.
هذه ليست حربًا على الفساد الأخلاقي.
هذه هروب من مواجهة جذور الفقر.
الحقيقة المؤلمة
كثير من سكان الأماكن المهجورة هم:
عمال فقدوا وظائفهم.
شباب بلا دعم أسري.
مرضى نفسيون تُركوا بلا متابعة.
أشخاص لم يأكلوا في بعض الأيام.
بشر لا يملكون ثمن بطاقة مواصلات.
لكن بدل أن نسأل:
لماذا وصلوا إلى هنا؟
نسأل:
كيف نُخلي المكان؟
هل هذا ملف أمني فقط؟
إذا كانت الدولة ترى الظاهرة أمنية فقط،
فهذا اعتراف ضمني بفشل اجتماعي.
المداهمات لا تعالج التشرد.
الإخلاء لا يصنع كرامة.
والتصوير الإعلامي لا يطعم جائعًا.
القضية ليست “تنظيف مبنى”.
القضية إنسان بلا سقف.
الإعلام… جزء من المشكلة
بعض المنصات تبحث عن العنوان الصادم.
“بؤر فساد”.
“أوكار رذيلة”.
“أماكن مشبوهة”.
لكن نادرًا ما نرى عنوانًا يقول:
“إنسان بلا مأوى”.
“شاب بلا فرصة عمل”.
“امرأة بلا حماية اجتماعية”.
الخطاب الأخلاقي الانتقائي أخطر من الظاهرة نفسها.
لأنه يُسكت الضمير العام.
ما الذي أطالب به بوضوح؟
🔴 أولًا: إعلان ملف التشرد كقضية وطنية اجتماعية، لا أمنية فقط.
🔴 ثانيًا: إنشاء مراكز إيواء لائقة ومجهزة فعليًا.
🔴 ثالثًا: برامج إعادة دمج مهني وتشغيل فوري.
🔴 رابعًا: مسح وطني شامل لمعرفة الأعداد الحقيقية بدل التقديرات.
🔴 خامسًا: تدخل نفسي واجتماعي متخصص، لا حلول شكلية.
🔴 سادسًا: مساءلة أي جهة تتعامل مع الملف بمنطق الصورة الإعلامية لا الحل الجذري.
كفى اختصار الإنسان في تهمة
الكرامة لا تُقاس بمكان النوم.
والأخلاق لا تُفرض عبر المداهمات.
الدولة القوية لا تخاف من الفقراء.
بل تخاف عليهم.
أما أن يتحول المشرد إلى عدو عام،
فهذه ليست قوة… بل عجز عن مواجهة الحقيقة.
رسالتي الواضحة
لن أقبل أن يتحول الفقر إلى جريمة.
ولن أقبل أن يُستخدم الخطاب الأخلاقي ستارًا لتجاهل جذور المشكلة.
إذا أردنا مكافحة أي انحراف،
فلنبدأ من البطالة،
من غلاء الإيجارات،
من ضعف الرعاية،
من غياب الإسكان الاجتماعي.
الأماكن المهجورة ليست أصل المشكلة.
هي نتيجة.
والإنسان الذي يسكنها…
ليس عنوانًا للفضيحة،
بل دليلًا على فجوة يجب أن تُغلق.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *