مقالات

حين يخون الجسدُ أَباً عظيماً… يَختلُ العالم

نشامى الاخباري _ عروة العظامات

في زاويةٍ هادئة من المشفى، حيث تختلط رائحة الدواء بصوت الأجهزة، يرقد أبي… ذلك الرجل الذي كان يومًا يشبه الجبل في ثباته، ويشبه السماء في اتساع قلبه.

لم أكن أتصور أن أراه ضعيفًا هكذا. يده التي كانت تمسك بيدي بقوة وأنا صغير، صارت اليوم باردة، متعبة، تبحث عن دفءٍ بسيط. عينيه اللتين كانتا تلمعان بالحياة، صارتا مثقلتين بالتعب، وكأنهما تحملان سنواتٍ من الصبر لا تُحصى.

أبي… لم يكن مجرد رجل في حياتي، كان الأمان حين يضيق العالم، وكان السند حين تميل الأرض تحت قدمي. كان الصوت الذي يطمئنني، حتى عندما لا يقول شيئًا.

في هذا السرير الأبيض، لا أرى المرض فقط… أرى كل تلك الذكريات التي تسكنه: ضحكته، صمته، تعبه الذي أخفاه عنا، وقلبه الذي أعطى دون أن ينتظر شيئًا. أراه يقاوم بصمت، كعادته، دون شكوى… وكأن الألم شيءٌ يعرفه وحده، ولا يريد أن يثقل به أحدًا.

يا أبي… كم يبدو العالم هشًا بدونك.
وكم يبدو الوقت قاسيًا وهو يمر بطيئًا أمام هذا الباب المغلق.

نقف عاجزين، نحمل الدعاء بدل الكلام، ونخفي دموعنا خلف ابتسامة ضعيفة، لعلها تصل إليك قوةً، أو تمنحك بعض الراحة.

كل ما أريده الآن، أن تعود كما كنت…
أن أراك واقفًا، أن أسمع صوتك يناديني، أن أعود طفلًا للحظة واحدة بين يديك.

في هذا المشفى، تعلمت أن الأب ليس فقط من يربينا… بل هو الحياة نفسها حين تشتد، وهو القلب الذي إن تعب، تعب العالم كله معه.

اللهم اشفه شفاءً لا يغادر سقمًا…
فهو ليس فقط أبي… بل هو كل ما أملك.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *