
حصانة الانتماء
نشامى الاخباري _ أسيل عبندة
ليس كلُّ من ناصر قضيةً أصبح خارج إطار النقد.
يختلف الناس في السياسة، وفي الزوايا التي ينظرون منها إلى أحداثها، لكن ثمّة ما يجب أن يبقى فوق الاختلاف؛ فلا ينبغي أن تتحوّل الدماء إلى هامشٍ في ميزان العدالة، ولا أن تُوزَن المآسي بمعيار الانتماء. فصفحات التاريخ لا تُطمس لأن صاحبها قد ناصر يومًا في معركةٍ أخرى، ولا تتحوّل الأخطاء إلى صوابٍ لمجرّد أن أصحابها قد أصابوا في موضعٍ آخر.
وممّا لا شك فيه أن تعليق الأوسمة على صدور من ارتبطت مواقفهم بمآسٍ عظيمة، أمرٌ يستعصي على الفهم؛ لأن العدالة لا تعرف الانتقائية، ولا تُعيد تقييم المواقف تبعًا لموقع أصحابها وانتماءاتهم.
وليس الدفاع عن الخطأ نابعًا بالضرورة من الاقتناع به، وإنما قد يكون من الخوف من النقد، حين يُنظر إلى النقد وكأنّه طعنٌ في القضية، لا رأيٌ فيها؛ فحينها يصبح الخناق ضيقًا كلّما اتّسعت قيود الحرية. وتبعًا لذلك، يغدو الانتماء مبدأً من زجاج، يستند الموقف إليه، بدل أن يكون الموقف مستندًا إلى المبدأ.
وفي أوج ذلك، تصطدم نزاهة المبادئ بزهو الانتماء، وهي بطولةٌ أخلاقية: أن يسحب الإنسان السيف من غمده، لا ليُدين الطرف الآخر فحسب، بل ليواجه ما تميل إليه نفسه أيضًا. ليغدو ميزان الإنسانية مصنوعًا من شجاعة الضمير، ومن قدرة الإنسان على أن يرفع صوته فوق المنابر التي يهتدي إليها قلبه، لا أن يختزل العدل في صفّه. فالمبدأ الأصيل أسمى من أن يُشهَر ضد الأعداء، بل هو أشبهُ بمسطرةٍ لا تستثني صفحةً تاريخيةً إلا وقد سطرتها، ولا تتوارى خجلًا أمام الحليف. وتُسقط هيبةُ الكلمات حين تُخلع المظاهر التي لا تحمل مبدأً، وإنما انحيازًا يرتدي زيَّ الفضيلة.
ومن هذا السياق، لعلّ أول امتحانٍ للعاقل ألّا يُجزّئ ضميره، وأن يفتّش في أعماقه قبل أن يُصدر أحكامه. فالدم حين يُراق، لا يسأل عن هوية من سفكه كي يستحقّ العدالة، ولا ينبغي للظلم أن يفقد قبحه إذا تبدّلت الجهة التي صدر عنها. فإذا كان الإنسان صادقًا في إدانة الظلم، فليدنه حيثما كان، ومن أيِّ جهةٍ صدر، وليكن الحقُّ أحقَّ بألّا يُساوَم عليه بالانتماءات والشعارات. فلا قيمة للمبادئ إن كانت تتبدّل كلما تبدّلت الأسماء.



