نشامى الاخباري _ عروه العظامات
في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات، وتتعالى فيه الضوضاء حتى تكاد تحجب الرؤية، يظل للإعلامي الحقيقي مكانته الخاصة. ليس الإعلامي الذي يلهث خلف الإثارة، ولا ذاك الذي ينساق خلف العناوين العابرة، بل الإعلامي الذي يُتقن لغة الدبلوماسية، ويمارس السياسة بالكلمة قبل أن تُمارس بالقرار.
الدبلوماسية الإعلامية ليست شعارات تُرفع، ولا كلمات منمقة تُقال، بل هي فن إدارة الرسائل، وصناعة التوازن بين الحقيقة والمصلحة، بين الرأي والواجب، وبين كشف الحقائق وصون الاستقرار. وهي مدرسة لا يتقنها إلا من خبر التجارب، وعايش التفاصيل، وأدرك أن للكلمة أثرًا يفوق أحيانًا وقع الرصاص.
لقد علّمتنا التجارب أن الإعلامي يمكن أن يكون سفيرًا لا يحمل صفة دبلوماسية رسمية، لكنه بذكائه وحنكته قادر على أن يقرّب المسافات، ويطفئ جذوة النزاعات، ويرسم صورة وطنه في الخارج بألوان من الثقة والقوة والاعتدال. فالإعلامي المخضرم هو الذي يقرأ ما بين السطور، ويكتب بميزانٍ دقيق لا يجرّه نحو الاصطفاف، ولا يتركه عرضة للانفعال.
في عالمٍ صاخب، حيث تتحول المعلومة إلى سلاح، وتصبح الشائعات أشبه بجيوشٍ خفية، يبرز دور الإعلامي الدبلوماسي: ذاك الذي لا ينجر إلى المعارك الصغيرة، بل يختار معاركه الكبرى بعقلانية؛ ذاك الذي لا يتحدث بصوتٍ مرتفع، لكنه يصل أبعد مما يصل الصراخ.
إن الإعلامي الناجح ليس مجرد ناقل للأحداث، بل صانع لها بذكاء. هو السياسي من دون مقعد، والدبلوماسي من دون حقيبة، لكنه يملك الأداة الأخطر والأبقى: الكلمة.