نشامى الاخباري _ عروه العظامات
ما زال المشهد الأردني يعاني من ظاهرة تستنزف فرص التقدّم وتعيق مسيرة الإصلاح، ظاهرة “الختياريّة” الذين تشبّثوا بمقاعدهم لعقود وكأن الزمن قد توقّف عند حدود حضورهم. وجوه كرّست نفسها حراسًا على المناصب، ترفض أن ترى أبعد من حدود خبراتها المتآكلة، وتصرّ على إبقاء الأبواب موصدة أمام جيل كامل يملك من الكفاءة والطاقة والرؤية ما لم يكن يومًا متاحًا لهم في بداياتهم.
وعلى الرغم من أن الزمن يتغيّر، وأن التحديات تتضاعف، ما زال البعض يعيش في عقلية الأمس، متجاهلًا حقيقة أن المستقبل لا يُبنى بعقلية متقادمة، ولا يصنعه من يخشى التجديد ويخاف من قوة الشباب التي باتت اليوم عنصرًا حاسمًا في نهضة أي وطن.
القرار الحكومي بالسماح للشباب الذين أتموا الثلاثين بالدخول بثقل أكبر إلى الحياة السياسية لم يكن قرارًا عبثيًا كما يحاول البعض تصويره، بل كان نتاج رؤية ثاقبة تدرك أن الأردن بحاجة إلى دماء جديدة، إلى فكر متجدد ووجوه قادرة على قراءة العصر وتحمّل مسؤولياته. لقد جاء القرار انسجامًا مع توجّهات واضحة لطالما أكّد عليها جلالة الملك عبد الله الثاني وولي العهد الأمير الحسين، بأن الشباب ليسوا جمهورًا يُصفّق أو كتلة تُستَغل في المواسم، بل عماد المشاركة السياسية وشركاء أصيلون في صنع مستقبل هذا الوطن.
ورغم هذا الخطاب الملكي المتواصل، ما زالت فئة من “العجزة السياسيين” تتصرّف وكأن الدعوة لا تعنيهم، وكأن الوطن مشروع شخصي لا يُورّث إلا لمن شاخ على كرسيه. يعاندون الحقيقة، ويتجاهلون أن الزمن لا ينتظر أحدًا، وأن التمسك بالكراسي لا يصنع دولًا ولا يبني حضارة.
الأردن اليوم في لحظة مفصلية، بحاجة إلى أفكار جديدة لا تكرارًا لأفكار استُهلكت، وإلى وجوه تؤمن بقدرة الشباب لا بمنطق الاحتكار، وإلى عقلية تُشجّع المبادرة لا تُطفئها، وتفتح المجال بدلًا من سد الأبواب. الوطن أكبر من أن يُحكم بعقلية الخوف من التغيير، وأقوى من أن يُعطّل بسبب من يرفضون الاعتراف بأن لكل زمن رجاله.
إن مستقبل الأردن سيكتبه من يجرؤون على التغيير، من يعرفون لغة العصر ويملكون أدواته، من يبتكرون ولا يكررون، من يوسّعون الدرب بدلًا من تضييقه. وحين يأخذ الشباب مكانهم الطبيعي، ستثبت الأيام أن ما كان يُسمّى “مغامرة” لم يكن إلا خطوة ضرورية نحو وطن أقوى، أذكى، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
الأردن لا يريد شبابًا على الهامش… بل في الصميم. ولا يريد مستقبلًا مقيّدًا بعقلية الختياريّة… بل مستقبلًا يصنعه من يؤمن أن الوطن يستحق الأفضل دائمًا.