نشامى الاخباري _ د. محمد عقاب الجوابرة
مع صدور تعليمات “صرف الدواء ونقله عن بُعد لعام 2026″، لم تعد القضية مجرد آليات توصيل أو ضبط وصفات، بل نحن أمام مخاضٍ عسير لهوية مهنة الصيدلة. إن ما يجري ليس تحديثاً إجرائياً عابراً، بل هو إعادة تعريف لمكانة الصيدلاني في معادلة الأمن الصحي الحديث.
من “الحكيم” إلى “المُنفّذ”: أزمة الهوية
تاريخياً، كان الصيدلاني هو “الحكيم” صاحب السلطة المعرفية. ومع طغيان التصنيع الدوائي في القرن العشرين، جرى اختزال دوره تدريجياً ليصبح “حلقة وصل” أو منفذاً لوصفات طبية ضمن منطق استهلاكي، مما أفرغ المهنة من زخمها القيادي لصالح سلاسل التوريد.
اليوم، وفي عصر ما يسمى الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، نقف أمام “الهوية الثالثة”. هذه الهوية ليست امتداداً للماضي، بل هي قطيعة معرفية؛ فبينما تستطيع الخوارزميات تحليل التداخلات الدوائية، يظل الصيدلاني وحده هو حامل “المسؤولية الأخلاقية” والقادر على فهم السياق الإنساني والاجتماعي للمريض، وهو ما لا تدركه الأنظمة الذكية.
التعليمات الجديدة: بوابة أمان أم تهميش مُقنّع؟
تعكس التعليمات الجديدة توتراً واضحاً؛ فهي تضع الصيدلاني كـ “نقطة تحكم” تقنية للصرف عن بُعد، لكنها تحصر دوره في الإطار الرقابي الاحترازي بدلاً من الإطار القيادي المعرفي. إن خطورة الأنظمة التي تسعى لخفض الكلف عبر تهميش الدور المهني للصيدلاني تكمن في دفع الثمن لاحقاً: أخطاءً دوائية، وسوء استخدام، وتآكلاً في الثقة العامة.
المستقبل: القيادة أو التبعية
إن الصيدلاني اليوم مطالب بأن يكون “مهندس النظام الصحي الرقمي” لا مجرد ترس فيه. إن حصر دوره في “الموافقة والرفض” التقني هو إجحاف بحق خبرة قادرة على صياغة السياسات الصحية وموازنة الأدلة العلمية بالواقع الاقتصادي.
ختاماً، نحن لا نناقش مجرد تعليمات، بل نرسم ملامح مستقبل: إما صيدلة تقود التحوّل الرقمي بسلطة معرفية، أو مهنة تُدار بـ “الإنابة” داخل نظام رقمي لا يرحم.
السؤال لم يعد مؤجلاً: هل سيقود الصيدلاني هذا التحوّل، أم سيظل رهينة خوارزميات تقرر عنه؟