نشامى الاخباري _ خاص
أكدت الاستشارية النفسية والأسرية والتربوية حنين البطوش،أن الجرائم التي تقع داخل الأسرة لا تُعد أحداثًا مفاجئة أو أفعالًا وليدة لحظة غضب آنية، بل هي نتاج مسار طويل من العنف الصامت، والتجاهل، وغياب التدخل المبكر، مشددة على أن التعامل مع هذه الجرائم بالصدمة وحدها يُغفل جذورها الحقيقية النفسية والاجتماعية.
وأوضحت البطوش خلال حديثها لـ”نشامى”، أن كل حالة عنف أسري تحمل خلفها تاريخًا من الإنذارات التي لم يتم الالتفات إليها، مشيرة إلى أن فهم هذه الجرائم يتطلب قراءة عميقة لأدوار متشابكة بين الفرد والأسرة والمجتمع، بعيدًا عن التبرير أو التهوين، وبما يفتح المجال للوقاية بدل الاكتفاء بردّ الفعل بعد وقوع المأساة.
وبيّنت أن العنف الأسري يشكّل بيئة خصبة لتفجّر الجرائم، خاصة عندما يتحول إلى نمط متكرر، إذ يؤدي إلى تراكم مشاعر القهر والخوف والغضب المكبوت، ويُضعف الإحساس بالأمان داخل الأسرة، ويكسر الحدود النفسية والأخلاقية، ما يطبع العنف كوسيلة “مقبولة” لحل النزاعات، ومع غياب الحماية والتدخل، قد يتحول المنزل من مساحة أمان إلى ساحة صراع مفتوحة.
وحول تدخل أحد أفراد الأسرة في لحظة نزاع، أوضحت أن مثل هذا التدخل لا يُعد سببًا مباشرًا للجريمة، لكنه قد يشكّل عاملًا محفّزًا في سياق مشحون أصلًا بالعنف، خاصة إذا فُسّر من الطرف المعتدي على أنه تهديد لسلطته أو اصطفاف ضده، ما يضاعف مشاعر الغضب والمهانة ويُسرّع الانفجار، لا سيما لدى الأشخاص ذوي الاندفاعية العالية أو ضعف ضبط الانفعالات.
وأشارت البطوش، إلى أن الاضطرابات النفسية المرتبطة بتعاطي المخدرات تلعب دورًا محوريًا في تصعيد العنف داخل الأسرة، إذ يؤثر التعاطي على مراكز الحكم الأخلاقي وضبط السلوك، ويزيد من الاندفاعية والعدوانية والشك، وقد يترافق مع اضطرابات شخصية أو أعراض نفسية غير مُشخّصة، ما يجعل ردود الفعل غير متناسبة مع المواقف، محذّرة من أن غياب العلاج والدعم النفسي يحوّل هذه الحالات إلى “قنابل موقوتة”.
وأضافت أن مثل هذه الجرائم غالبًا ما تسبقها مؤشرات تحذيرية واضحة، كالتصاعد المستمر في نوبات الغضب، التهديدات اللفظية، العنف المتكرر، فقدان السيطرة، التقلبات المزاجية الحادة، العزلة الاجتماعية، وتعاطي المواد المخدرة، مؤكدة أن تطبيع هذه العلامات تحت مسمى “خلافات عائلية” يزيد من خطورة النتائج.
وأكدت البطوش، أن القتل في هذه السياقات لا يكون اندفاعيًا صرفًا، بل نتيجة تراكمات نفسية طويلة من العنف والإحباط والاختلالات غير المعالجة، ثم يقع الفعل في لحظة اندفاع تشكّل الشرارة الأخيرة، وهو ما يثبت أن الجريمة لم تكن مفاجئة بالكامل، وكان بالإمكان التدخل في مراحل مبكرة لمنعها.
وفي سياق متصل، حذّرت من تفشّي تعاطي المخدرات بين الشباب، واعتبرته آفة مدمّرة تهدد استقرار الأسر والمجتمع، محمّلة الآباء والمربين والمعلمين مسؤولية المتابعة والوقاية، إلى جانب مسؤولية الشباب أنفسهم في رفض هذه السموم وعدم الانخداع بوهم القوة أو التركيز، مؤكدة أن البداية غالبًا تكون تجربة عابرة، وتنتهي بإدمان يهلك الجسد ويكسر الروح ويفجع الأسر.
وشددت على أن للمجتمع والمؤسسات دورًا أساسيًا في كسر دائرة الصمت حول العنف الأسري، من خلال تشريعات رادعة، وأنظمة حماية فعّالة، وسهولة الإبلاغ، وتوفير دعم نفسي وقانوني آمن، إضافة إلى دور الإعلام والمؤسسات التربوية في تغيير ثقافة تبرير العنف أو تحميل الضحية المسؤولية.
وختمت البطوش، بالتأكيد على أن حماية الأسرة، وخاصة النساء داخلها، لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل قبلها بكثير، عبر الاعتراف بأن العنف ليس شأنًا خاصًا، وأن الصمت ليس حيادًا بل مشاركة غير مباشرة في الخطر، موضحة أن الوقاية الحقيقية تقوم على الوعي، والدعم النفسي المبكر، وبناء ثقافة تحمي الإنسان داخل بيته قبل أن تطلب العدالة بعد أن يُهدر الأمان.