مقالات

هكذا نقتل بعضنا بالكلمات

نشامى الاخباري _  محمد محيسن

ابتعد قليلا عن الضجيج الذي تصنعه وسائل الإعلام، تبدو ثقافة الاختلاف في واقعنا أقرب إلى ساحة صراع فردي، تحكمها نزعة “الأنا” أكثر مما تضبطها قواعد الحوار أو أخلاقياته. لم يعد الاختلاف تعبيرا عن تنوع صحي، بل تحول في كثير من الأحيان إلى مواجهة مفتوحة يغيب عنها الوعي، ويعلو فيها صوت الذات على حساب المصلحة العامة.
الأخطر من ذلك أهذا التراشق لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح بيئة خصبة لتفكيك النسيج الوطني وإضعاف الروابط المجتمعية. فمع تصاعد حدة الخطاب، وانتقال الخلاف من كونه فكريا إلى شخصي وعدائي، تتآكل مساحات الثقة بين أفراد المجتمع، ويعاد إنتاج الانقسام بشكل يومي. لم يعد الأمر مقتصرًا على اختلاف في وجهات النظر، بل بات يهدد فكرة “العيش المشترك” نفسها، ويمنح الانقسام شرعية غير معلنة تحت مظلة الحرية.
في سياق أعمق، لم تكن المجتمعات العربية مهيأة بالكامل لممارسة ثقافة الاختلاف بمعناها الحديث، ليس لأنها تفتقر إلى جذورها، بل لأنها لم تمنح الفرصة الكافية لتجربتها بشكل طبيعي ومتدرج. فسنوات طويلة من التغييب والكبت جعلت من الانفجار على منصات التواصل أمرا متوقعا، حيث اختلطت الحرية المكتسبة حديثا بالفوضى، وغابت الحدود الفاصلة بين التعبير المسؤول والتجاوز
وإذا كان مفهوم “أخلاق الاختلاف” متجذر في التراث العربي والإسلامي، ويستدل عليه بمقولات مثل «اختلاف الأمة رحمة»، إلا أن تسارع العصر الرقمي، وهيمنة ردود الفعل اللحظية، ساهما في تآكل هذه القيم، أو على الأقل تهميشها لصالح الانفعال والاندفاع.
لقد أدى اتساع هامش الحرية، خصوصًا في أعقاب التحولات السياسية الكبرى، إلى حالة من الارتباك؛ حيث غابت البوصلة لدى البعض، وتحول الحوار إلى فوضى، يغذيها تراكم طويل من الكبت. ولو أُديرت الأزمات في وقتها، أو حتى بعد تفاقمها بقليل من الحكمة، لما وصلت الأمور إلى هذا المستوى من التوتر.
كما يمكن النظر إلى ما يحدث على منصات التواصل الاجتماعي بوصفه “أزمة اختلاف “حقيقية، تتجلى في تبادل الشتائم والاتهامات، وهي أزمة تغذيها حرية غير منضبطة، وغياب واضح للمساءلة الذاتية قبل أي رقابة خارجية.
وقد ساهم سوء فهم الحرية في تعميق هذه الأزمة، إذ باتت عند البعض مرادفًا للإساءة والتجريح، بدل أن تكون مساحة للتعبير المسؤول. والمفارقة أن هذا السلوك يعيد إنتاج نفس أنماط الإقصاء التي عانت منها المجتمعات سابقًا، ولكن بأدوات جديدة.
أما المشهد العام، فيدعو في كثير من الأحيان إلى القلق، وربما إلى الأسى، حين تختطف حرية التعبير من قبل خطاب متشنج لا يمتلك من أدوات الحوار سوى الصراخ والاتهام، فيغيب العقل، وتحضر الفوضى.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *