
ظاهرة فوضى المبادرات عندما يتحول العمل الإنساني إلى مجرد استعراض وبهرجة فارغة
نشامى الاخباري _ عبد الرحمن مقدادي
في السنوات الأخيرة اجتاحت مجتمعاتنا موجة عارمة من المبادرات تحت مسميات براقة شبابية وخيرية وثقاف وتنموية وللوهلة الأولى قد يظن الرائي أننا نعيش في العصر الذهبي للتكافل الاجتماعي لكن الحقيقة المرة التي يتجنب الكثيرون قولها علنا هي أن كثافة هذه المبادرات تحولت إلى عبء وفوضى عارمة وبعضها وصل إلى مرحلة الابتذال وتقديم محتوى بلا أدنى قيمة للمجتمع
المشكلة الأساسية في قطاع عريض من المبادرات الحالية هي غياب النية الحقيقية للأثر المستدام حيث تحول الهدف من حل مشكلة واقعية في المجتمع إلى الركض خلف اللقطة ومشاركة الصور على منصات التواصل الاجتماعي وأصبح تأسيس مبادرة بمثابة برستيج شخصي أو وسيلة سريعة لبعض الأشخاص للحصول على لقب ناشط اجتماعي أو مؤسس ورئيس مجلس إدارة والنتيجة هي ظواهر صوتية بلا أثر ملموس على أرض الواقع
هذا التضخم العددي غير المدروس خلق كوارث حقيقية منها استغلال حاجة الناس حيث تتاجر بعض المبادرات الخيرية بكرامة المحتاجين وتصوير العائلات العفيفة أثناء توزيع المساعدات البسيطة من أجل كسب الدعم والظهور وهو قمة الابتذال الأخلاقي بالإضافة إلى هدر الطاقات والتمويل بدلا من توجيه الدعم لمشاريع كبرى ومستدامة يتم تفتيت الجهود في عشرات المبادرات الصغيرة التي تقوم بنفس الشيء لمجرد أن كل شخص يريد أن يكون هو الرئيس والمسؤول
المبادرة التي لا تمتلك خطة عمل ولا تقييم للأثر ولا ميزانية واضحة وشفافة هي مبادرة تساهم في نشر الإحباط وعندما يرى المجتمع مئات المبادرات تفتح وتغلق في غضون أشهر دون تحقيق أي تغيير في نسب الفقر أو البطالة أو الوعي يفقد الناس الثقة في العمل التطوعي ككل ويصبح الجميع ينظر بعين الشك لأي جهة تحاول تقديم الخير للناس
العمل التطوعي ليس لعبة ومشاكل المجتمع ليست مسرحا للاستعراض وما نحتاجه اليوم ليس زيادة في عدد المبادرات بل غربلة حقيقية وتفعيل لرقابة صارمة على هذه الكيانات كفانا مبادرات تولد في مواقع التواصل الاجتماعي وتموت فيها فالمجتمع بحاجة لمؤسسات حقيقية واعية تعمل بصمت وتحترم كرامة الإنسان وتترك أثرا يبقى حتى لو انطفأت الكاميرات




