
أزمة القيادة الدولية: من يضمن النظام العالمي اليوم؟
نشامى الاخباري _ ذكرى نعامنه
لم يعد السؤال في النظام الدولي الراهن يقتصر على من يمتلك القوة الأكبر، وإنما أصبح أكثر جوهرية: من يضمن النظام العالمي اليوم؟
فالنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية قام، بدرجات متفاوتة، على مجموعة من المؤسسات والقواعد التي كان يفترض أن توفر إطارًا لإدارة النزاعات، والحفاظ على توازنات القوى، وحماية الحد الأدنى من قواعد العدالة الدولية. إلا أن السنوات الأخيرة كشفت عن تراجع متزايد في قدرة هذه المؤسسات على أداء دورها، بالتزامن مع تصاعد منطق القوة وتراجع فاعلية أدوات الوساطة والردع الجماعي.
ولا تكمن المشكلة فقط في ضعف المؤسسات الدولية، وإنما في غياب جهة قادرة على أداء وظيفة “الضامن” بصورة تحظى بقبول الأطراف المختلفة. فحين تغيب آليات الضمان الجماعي، يصبح من يمتلك القوة هو الأكثر قدرة على فرض شروطه، وحين تتحول القوة من أداة لحماية النظام إلى أداة لإعادة تشكيله، فإننا نكون أمام مرحلة مختلفة من العلاقات الدولية؛ مرحلة يعاد فيها تعريف النفوذ، والتحالفات، وحتى مفهوم الأمن والاستقرار.
وتقدم المواجهة الأمريكية الإيرانية مثالًا مهمًا لفهم هذه التحولات. فإحدى أبرز الملاحظات على مسار الحرب تتمثل في صعوبة تحديد هدف استراتيجي ثابت وواضح منذ بدايتها. فقد بدأ الخطاب حولها بالتركيز على أولا تحييد البرنامج النووي الإيراني، ثم توسع الحديث باتجاه إضعاف النظام أو تغييره، انتقالا إلى قضية مضيق هرمز وحرية الملاحة، ثم حماية القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، وصولًا إلى التركيز على تجنب استهداف البنية التحتية والمرافق الحيوية.
هذا التبدل في الأهداف لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تعدد طبيعي في أهداف الحرب؛ إذ إن استمرار انتقال الأولويات قد يعكس أيضًا غياب تصور واضح لشكل النهاية السياسية المرغوبة للصراع. فالحرب، في معناها الاستراتيجي، لا تُقاس فقط بحجم الضربات العسكرية أو التفوق في الميدان، وإنما بقدرة القوة العسكرية على تحقيق هدف سياسي واضح وقابل للتحقق. وعندما تتغير الأهداف مع تطور المعركة، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل ما زالت الحرب وسيلة لتحقيق استراتيجية، أم أصبحت الاستراتيجية نفسها تتشكل وفق نتائج الحرب؟
وهنا تظهر المفارقة الأهم: الدولة التي كان يفترض أن تؤدي دور الضامن أصبحت هي نفسها طرفًا مباشرًا في الصراع، وبالتالي أصبح الضامن موضع مساءلة بدل أن يكون مصدرًا للاستقراروكما قال المتنبي “انت الخصم والحكم“. وهذا لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على التأثير، وإنما يعني أن امتلاك القوة لا يساوي بالضرورة القدرة على إنتاج نظام مستقر أو نهاية سياسية حاسمة.
ومن هنا يمكن فهم أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية: القوة ما زالت قادرة على تغيير الواقع، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج الاستقرار. فالقوة العسكرية قد تحقق نتائج سريعة ومباشرة، لكنها تصبح محدودة عندما لا تستند إلى رؤية سياسية بعيدة المدى، أو عندما تواجه خصمًا قادرًا على امتصاص الضربات وإعادة تنظيم أدواته والاستمرار في الصراع. ولهذا فإن بعض الحروب الحديثة تنتهي دون انتصار حاسم لأي طرف، لتتحول إلى حروب ذات نتائج صفرية؛ خسائر كبيرة، وتكاليف مرتفعة، وتغير محدود في المعادلة الأساسية.
لكن الأخطر من الحرب ذاتها هو ما تكشفه عن النظام الدولي الأوسع. فهدم أو إضعاف المؤسسات التي كان يفترض أن تضمن توازن القوى والعدالة الدولية لا يقود فقط إلى أزمة في إدارة الصراعات الحالية، وإنما يدفعنا إلى فهم جوهري مفاده أننا أمام مرحلة انتقالية يعاد فيها تشكيل النظام الدولي وموازين القوى. القواعد التي حكمت العلاقات الدولية خلال العقود الماضية لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها، في حين أن البديل لم يتبلور بصورة كاملة بعد.
وهذه المرحلة تحمل وجهين متناقضين. فمن جهة، هي مرحلة خطرة؛ لأن غياب الضامن القادر على احتواء الأزمات يرفع احتمالات سوء التقدير والتصعيد، ويجعل الدول أكثر اعتمادًا على قدراتها الذاتية. لكنها من جهة أخرى تمثل فرصة استراتيجية نادرة للدول التي تستطيع قراءة التحول واستثماره. فالفترات الانتقالية لا تعيد توزيع المخاطر فقط، بل تعيد أيضًا توزيع النفوذ. ومن ينجح في بناء قوته خلال مرحلة إعادة تشكيل النظام، يستطيع أن يدخل النظام الجديد بموقع مختلف تمامًا عن موقعه السابق.
وهنا تبرز المسألة العربية:
ربما يكون أحد أهم الدروس التي ينبغي للعالم العربي استخلاصها من المشهد الدولي الراهن هو أننا لا ينبغي أن ننخرط في صراعات القوى الكبرى بوصفنا بديلًا عن أحد أطرافها، أو أن نتحول إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات الدولية. بل المطلوب هو استثمار حالة الفوضى الدولية لإعادة التموضع الاستراتيجي العربي.
فالمرحلة الحالية يمكن أن تكون فرصة لسد الفراغات بدل الدخول في الفراغات، وبناء القدرة بدل انتظار الضامن، وإعادة ترتيب الأولويات العربية على أساس المصالح المشتركة. وهذا يبدأ من بناء منظومة عربية أكثر تكاملًا في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، لا بهدف الدخول في مواجهة مع أحد، وإنما بهدف امتلاك القدرة على حماية المصالح العربية والتفاوض من موقع أكثر توازنًا.
إن بناء حلف أو إطار عربي أمني واقتصادي وسياسي أكثر تماسكًا يمكن أن يمثل خطوة أساسية في هذا الاتجاه. فالدول العربية، منفردة، قد تمتلك موارد وإمكانات كبيرة، لكن تحويل هذه الموارد إلى قوة استراتيجية يتطلب قدرًا أكبر من التنسيق والتكامل. وعندما تتكامل القدرات الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية والسياسية، يصبح بالإمكان الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل، ومن البحث عن الحماية إلى المشاركة في صناعة ترتيبات الأمن الإقليمي ، وما تجلى في تحالف مكة 1الذي يضم دولة عربية واحدة بجانب كل من تركيا وباكستان، خطوة على الطريق الصحيح يجب دعمها عربيا واسلاميا، حتى يصبح لها ثقل عربي في فرض التوازنات الدوليه المقبلة ، حيث أن العبرة تتجلى في المرحلة التالية وهي الاخطر بنظري، تتمثل في قدرة هذا الحلف على تفعيل نفسه، لإثبات مدى جدية الرؤيه التي يعمل بها.
ومن هنا وجب النتويه على أن دعوة بناء منظومة ردع عربية قوية يجب ألا يُفهم باعتباره مشروعًا عسكريًا صرفًا، أو دعوة إلى سباق تسلح، وإنما باعتباره مشروعًا أوسع لبناء القدرة على حماية المصالح. فالردع لا يقوم على السلاح وحده، وإنما على مجموعة من العناصر: اقتصاد قادر على الصمود، مؤسسات سياسية وإدارية فعالة، أمن غذائي وطاقوي، تقدم تكنولوجي، قدرات دفاعية، واستقلال نسبي في القرار السياسي.
وفي ظل غياب ضامن دولي يمكن الاعتماد عليه بصورة دائمة، تصبح القدرة على الردع جزءًا من حماية السيادة. فالهدف ليس أن تتحول المنطقة العربية إلى طرف في صراعات الآخرين، وإنما أن تمتلك القدرة على منع الآخرين من تحويلها إلى ساحة مفتوحة لمصالحهم. وهذا يتطلب الانتقال من مفهوم “الخاصرة الرخوة” التي يسهل الضغط عليها أو استهدافها إلى مفهوم المنطقة التي تمتلك من عناصر القوة ما يجعل تجاهل مصالحها أو تجاوزها أمرًا مكلفًا.
لكن بناء هذه القوة لا ينبغي أن يكون قائمًا فقط على القوة العسكرية السريعة النتائج. فهناك نوع آخر من القوة ربما يكون أكثر أهمية على المدى البعيد: قوة الصبر الاستراتيجي.
الصبر الاستراتيجي يعني القدرة على عدم الانجرار إلى كل أزمة، وعدم التعامل مع كل تهديد برد فعل فوري، وإنما امتلاك القدرة على الانتظار، وبناء القدرات، وقراءة التحولات، واختيار اللحظة المناسبة للتحرك. وهذه القدرة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات، واقتصادات أكثر مرونة، وسياسات طويلة المدى، وقيادات تستطيع التفكير خارج حدود الدورة السياسية القصيرة، لكن وجب التنوية لنقطة مركزية وفي غاية الاهمية، وهي تتعلق باستخدام قوة الصبر الاستراتيجي، فالمبالغة في استخدام هذه الاستراتيجية يحولها من عامل قوة للدوله لعامل تهديد وضعف وعدم القدرة على الرد بسبب ما يعرف بالتعايش مع التهديد، والخوف من المواجهة .
أهمية الجيل الجديد:
إعادة بناء القوة العربية لا يمكن أن تتم بالاعتماد على أدوات الماضي وحدها، ولا يمكن أن تكون مهمة جيل واحد. العالم يتغير بسرعة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة وسلاسل الإمداد، وهي جميعًا أصبحت جزءًا من موازين القوة. ولذلك فإن إشراك الجيل الجديد في صناعة القرار وتطوير المؤسسات وإنتاج المعرفة ليس قضية اجتماعية فقط، بل هو جزء من الأمن الاستراتيجي للدول.
الشباب ليسوا مجرد فئة ينبغي تمثيلها، وإنما مورد استراتيجي يمكن أن يغير المعادلة إذا جرى الاستثمار في قدراته بصورة حقيقية. فالجيل الجديد يمتلك أدوات مختلفة في التفكير والتواصل والتكنولوجيا، ويمكنه أن يقدم نماذج جديدة للإدارة وصناعة السياسات والتعاون الإقليمي. ولذلك فإن بناء المستقبل يتطلب الانتقال من فكرة “إعداد الشباب للمستقبل” إلى إشراك الشباب في صناعة المستقبل منذ الآن.
وفي المحصلة، فإن الأزمة التي يمر بها النظام الدولي قد تكون بداية لمرحلة أكثر اضطرابًا، لكنها في الوقت ذاته قد تكون فرصة لإعادة تعريف موقع الدول العربية في النظام القادم. والمطلوب ليس الانسحاب من العالم أو الدخول في مواجهة معه، وإنما بناء قدرة عربية تسمح بالتعامل معه من موقع أكثر استقلالًا.ثم الخروج إلى العالم بقدرة تفاوضية جماعية تسمح لها ببناء شراكات متعددة تحفظ مصالحها، وتعزز أمنها، وتحمي سيادتها ووحدة قرارها.
لقد أثبتت التحولات الراهنة أن الضمانات الخارجية وحدها ليست كافية، وأن الاعتماد على الآخرين لحماية المصالح قد يصبح مصدرًا للضعف عندما تتغير حسابات القوى الكبرى، لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم في المرحلة القادمة: من سيكون الضامن الجديد للنظام العالمي؟ بل: كيف تستعد الدول لأن تكون هي نفسها قادرة على ضمان مصالحها في نظام لم يعد فيه الضامن واضحًا؟
فالعالم لا يدخل بالضرورة عصرًا بلا نظام، وإنما عصرًا يعاد فيه تشكيل النظام. وفي مثل هذه اللحظات، تكون الفرصة متاحة أمام من يمتلك الرؤية والصبر والقدرة على البناء. أما من ينتظر حتى تستقر موازين القوى، فقد يجد أن موقعه في النظام الجديد قد تحدد بالفعل من دونه.
1 الجزيرة، «اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. تحالف ردعي بين السعودية وباكستان وتركيا»، 7 أغسطس/آب 2026، آخر تحديث 8 أغسطس/آب 2026. https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2026/8/7/%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%83%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AF%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%AA%D8%B1%D9%83-%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%81-%D8%B1%D8%AF%D8%B9%D9%8A?utm_source=chatgpt.com




