
الصقور يكتب : الإدارة المحلية من إصلاح القانون إلى صناعة التنمية
قراءة سياسية وإدارية في مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 ومستقبل البلديات ومجالس المحافظات
نشامى الاخباري _ المهندس عبد الرحمن حسن الصقور
في الثامن من كانون الأول عام 2025 كتبت مقالا حمل عنوان الإدارة المحلية… إلى أين؟ جاء في مرحلة سياسية وإدارية دقيقة أعقبت حل المجالس البلدية وقبل أن تتضح ملامح التشريع الجديد للإدارة المحلية
كان السؤال يومها يتجاوز حدود البلدية والمجلس والانتخابات فقد كان سؤالا عن نموذج الدولة الذي نريد أن نبنيه محليا هل تبقى البلدية مؤسسة خدمية تنتظر المخصصات والدعم أم تتحول إلى مؤسسة تنموية قادرة على التخطيط والاستثمار وتحريك الاقتصاد المحلي؟
اليوم وبعد أن قطعت الحكومة ومجلس النواب شوطا متقدما في مشروع القانون وأقرت اللجنة الإدارية النيابية المشروع بعد حوارات وتعديلات واسعة وأقره مجلس النواب وإحالة إلى مجلس الأعيان من أجل إكمال مسارة الدستوري لم يعد السؤال فقط إلى أين ستذهب الإدارة المحلية؟
بل أصبح السؤال الأهم هل بدأنا بالفعل بناء الإدارة المحلية التي نحتاجها؟
وهنا أتعامل مع القانون لا باعتباره مجموعة مواد قانونية تحتاج إلى شرح وإنما باعتباره محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة المركزية والبلديات ومجالس المحافظات والمواطن وإعادة تعريف وظيفة الإدارة المحلية في الاقتصاد والتنمية وصناعة القرار
وقد بلغ مشروع القانون الجديد 70 مادة في حين كان القانون السابق يتكون من 61 مادة وهو ما يعكس اتساع نطاق المراجعة التشريعية التي أُجريت على منظومة الإدارة المحلية فلم تكتف الحكومة بفتح مواد محددة للتعديل وإنما فتحت مواد القانون للنقاش والمراجعة والتطوير بما أتاح إعادة النظر في عدد من المفاهيم والأدوار والصلاحيات المنظمة للعمل المحلي وقد تضمن المشروع اتجاهات واضحة نحو تعزيز الدور التنموي للبلديات وتنظيم الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص وتعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة وتوسيع مشاركة المرأة والشباب وإعادة صياغة دور مجالس المحافظات بما يعزز قدرتها على التخطيط والتنسيق التنموي
لكنني أؤمن بعد نظره طويلة إلى الإدارة المحلية باعتبارها جزءا أساسيا من بناء الدولة أن القوانين لا تقاس بعدد موادها وإنما بقدرتها على تغيير الواقع
ومن هنا تبدأ قراءتي وقناعتي الشخصية من بلدية الخدمة إلى بلدية التنمية
أهم ما أراه في مشروع القانون هو محاولة الانتقال من مفهوم البلدية التي تقدم الخدمات اليومية إلى مفهوم البلدية التي تشارك في صناعة التنمية
وهذا التحول ضروري فالبلدية في الدولة الحديثة ليست مجرد جهة مسؤولة عن النظافة والإنارة والتعبيد والرخص وإنما مؤسسة تمتلك معرفة بالمكان وقربا من المواطن وقدرة على تحديد احتياجات المجتمع ويمكن أن تكون شريكا حقيقيا في الاستثمار والتنمية
لكن هنا اعتقد انه يجب أن نتوقف عند سؤال جوهري
هل منحنا البلدية صلاحيات تنموية حقيقية أم أننا منحناها مسؤوليات جديدة دون أن نمنحها الموارد والأدوات اللازمة؟
فلا يمكن أن نطلب من البلدية أن تصبح مؤسسة استثمارية وتنموية وهي عاجزة عن إدارة موازنتها أو تحصيل إيراداتها أو استثمار أصولها ولهذا فإن نجاح القانون سيبدأ عندما تصبح الصلاحية مرتبطة بالقدرة والمسؤولية مرتبطة بالموارد
أما السؤال الاهم من يقرر؟ ومن ينفذ؟
لانه من أهم الإصلاحات التي يجب أن تحكم المرحلة المقبلة الفصل الواضح بين القرار السياسي المحلي والتنفيذ الإداري ويجب أن يكون المجلس المنتخب يضع الرؤية والسياسات والأولويات ويقر الموازنات ويراقب الأداء والجهاز التنفيذي ينفذ وفق القانون والمعايير المهنية لان هذه ليست مسألة تنظيمية بسيطة وإنما هي جوهر الحوكمة فالخلط بين من يقرر ومن ينفذ أضعف العمل المحلي في مراحل سابقة وأوجد أحيانا صراعات بين المنتخب والإداري ولهذا يجب أن تكون المعادلة واضحة المجلس يقرر ويراقب والجهاز التنفيذي ينفذ ويحاسب على التنفيذ أما رئيس البلدية فيجب أن يكون قائدا سياسيا وتنمويا منتخبا لا مديرا تنفيذيا بديلا
اما المدير التنفيذي فهو نقطة التوازن الأكثر حساسية كما أرى أن قضية المدير التنفيذي ستكون واحدة من أهم نقاط اختبار القانون في التطبيق لأن وجود جهاز تنفيذي مهني ضرورة لا خلاف عليها لأن البلدية الحديثة تحتاج إلى إدارة متخصصة في المال والهندسة والتخطيط والاستثمار والبيئة والرقمنة لكن المهنية لا تعني الانفصال عن المجلس المنتخب كما أن الشرعية الانتخابية لا تعني إدارة التفاصيل التنفيذية ولهذا أعتقد جازما لا بل أزعم أن معالجة ملف المدير التنفيذي يجب أن تتجه نحو اعتماد التعيين المهني الإلزامي على نحو قريب من آلية شغل الوظائف القيادية في الجهاز الحكومي بحيث يتم استقطاب المدير التنفيذي واختياره من خلال الجهة المختصة وفق شروط وأسس ومعايير واضحة وشفافة تضمن الكفاءة والخبرة والنزاهة بل إنني أرى أن من الأفضل حيثما أمكن أن يكون المدير التنفيذي من خارج المحافظة لتقليل احتمالات المحاباة وتضارب المصالح والتأثيرات والعلاقات المحلية في إدارة الجهاز البلدي والتعامل مع الموظفين والواقع العملي يعزز هذه الحاجة إذ إن وجود مديرين تنفيذيين في 34 بلدية فقط من أصل 104 بلديات يكشف عن فجوة واضحة في التطبيق وعن خلل مؤسسي لا يمكن تجاهله ولذلك فإن ترك اختيار المدير التنفيذي للمجلس البلدي لا قد لا يعالج أصل المشكلة بل قد يبقي جزءا من أسبابها قائما خصوصا في البيئات المحلية التي تتداخل فيها الاعتبارات الاجتماعية والمناطقية والمصالح المختلفة
ومن هنا أرى أن تتولى الجهة المختصة كهيئة الخدمة والإدارة العامة استقطاب وترشيح المديرين التنفيذيين وفق منظومة وطنية موحدة من الكفاءة والخبرة والجدارة على أن يكون للمجلس البلدي دور مؤسسي واضح في التقييم والمتابعة والمساءلة ضمن حدود القانون وبهذه الصيغة يمكن الوصول إلى نقطة توازن حقيقية بين مهنية الجهاز التنفيذي وشرعية المجلس المنتخب شريطة أن يرافق ذلك نظام واضح ودقيق للمساءلة والتقييم وقياس الأداء بحيث لا يصبح المدير التنفيذي موظفا مفروضا على البلدية ولا تابعا للتجاذبات المحلية وإنما مسؤولا مهنيا يحاسب على النتائج لأن المطلوب ليس مديرا تابعا للمركز ولا مديرا خاضعا للتجاذبات المحلية المطلوب مدير مهني يعمل في ظل مجلس منتخب ويحاسب على النتائج وهنا يجب أن تكون الأسئلة محسومة
من يقيم أداءه؟
من يحاسبه؟
ما حدود علاقته برئيس البلدية؟
وما حدود علاقته بالمجلس؟
فالوضوح في هذه المسائل يمنع تحول المدير التنفيذي إلى مركز صراع بدل أن يكون أداة إصلاح
بهذا يكون المال هو الاختبار الحقيقي للاستقلال المحلي كما أنه يمكن أن نتحدث طويلا عن اللامركزية لكنني أرى أن الاستقلال المحلي يبدأ من الموازنة لانه لا توجد إدارة محلية قوية بموارد مالية ضعيفة ولهذا يجب أن يتحرك الإصلاح المالي للبلديات في أربعة اتجاهات أساسية
رفع الإيرادات الذاتية وتحسين التحصيل وإدارة الأصول بكفاءة وتخفيض النفقات غير الإنتاجية
لكن القضية لا تتوقف هنا يجب أن تتحول أملاك البلديات من أصول جامدة إلى أصول منتجة الأرض البلدية يمكن أن تصبح مشروعا استثماريا
السوق البلدي يمكن أن يتحول إلى مركز اقتصادي
الموقف العام يمكن أن يصبح مصدر دخل مستدام
المرافق يمكن أن تدخل في شراكات مدروسة
والنفايات يمكن أن تتحول من عبء مالي وبيئي إلى جزء من اقتصاد دائري
لكنني أؤكد على أن الاستثمار البلدي ليس بيعا لأملاك البلدية وإنما تعظيم لقيمة الأصول مع الحفاظ على ملكيتها وحقوق المواطنين وهنا أرى ضرورة بناء منظومة وطنية واضحة لإدارة واستثمار الأصول والأموال البلدية تقوم على التقييم المهني للأصول ودراسات الجدوى والشفافية و الإفصاح ومنع تضارب المصالح وقياس العائد الاقتصادي والتنموي لكل مشروع وانطلاقا من قناعتي وإيماني الراسخ بأن مستقبل الإدارة المحلية لا يمكن أن يبنى على الدعم والتحويلات الحكومية وحدها وإنما على قدرة البلديات ومجالس المحافظات على إدارة مواردها وأصولها بصورة منتجة ومستدامة فقد أعددت ورقة سياسات متخصصة حول إدارة واستثمار أموال البلديات ومجالس المحافظات تناولت فيها الحاجة إلى الانتقال من مفهوم المال البلدي باعتباره موردا للإنفاق إلى اعتباره أصلا تنمويا يمكن إدارته واستثماره وتعظيم عوائده
وأعتقد أن هذه الفكرة تستحق أن تتحول من مجرد توصية أو اجتهاد إلى سياسة وطنية واضحة تضع إطارا موحدا لإدارة الأصول المحلية وتمنح المجالس والبلديات الأدوات اللازمة للاستثمار مع وضع ضوابط صارمة تحمي المال العام وتمنع الهدر وتضارب المصالح بحيث يصبح كل أصل بلدي قادرا حيثما كان ذلك ممكنا على إنتاج قيمة اقتصادية أو اجتماعية أو تنموية للمجتمع المحلي
أما الشراكة مع القطاع الخاص اعتقد انها من أهم ما تقوم به البلدية ولكن ليس على حساب المال العام وذلك من خلال فتح المجال أمام الشراكات الاستثمارية والخدمية مع القطاع الخاص يمكن أن يكون أحد أهم أبواب التحول الاقتصادي في البلديات وهو اتجاه حاضر بوضوح في المشروع لكن الشراكة لا تعني الخصخصة غير المنضبطة لأن الشراكة الناجحة هي التي تحقق أربعة أمور مهمة والتي نحن بحاجة لها خدمة أفضل وإيرادا مستداما وفرص عمل وحماية للمال العام وكل مشروع استثماري بلدي يجب أن يجيب قبل الموافقة عليه عن أسئلة واضحة ما جدواه؟
ما عائده؟
ما مخاطره؟
ما أثره على المواطن؟
ومن يراقبه؟
فالأصول البلدية ليست ملكا لمجلس منتخب بعينه وإنما هي أمانه للأجيال
اما بخصوص مجالس المحافظات نحن نحتاج عقلا تنمويا لا مؤسسة إضافية لانه هي هذه الحالة نصل إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية
مجلس المحافظة لا يجب أن يكون بلدية كبيرة ولا وزارة مصغرة ولا جهازا تنفيذيا موازيا للحكومة لانه وظيفته في تقديري يجب أن يتمحور حول التخطيط وتحديد الأولويات والتنسيق والتكامل بين البلديات ومتابعة المشاريع وربط الموارد بالاحتياجات التنموية للمحافظة
وأعتقد أن الخلاف الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في السؤال هل ينتخب مجلس المحافظة انتخابا مباشرا أم غير مباشر فهذا وإن كان موضوعا مهما في مسار التطوير الديمقراطي ليس جوهر المشكلة فالأهم من طريقة الوصول إلى المجلس هو ماذا يستطيع المجلس أن يفعل بعد وصوله وهل يمتلك الأدوات والصلاحيات والموارد التي تمكنه من أداء دوره بصورة حقيقية أم يبقى دوره شكليا وإنني لا أريد لمجلس المحافظة أن يتحول إلى مجلس يقتصر دوره على إعداد موازنة شكلية على الورق خلال فترة محدودة من السنة إعداد موازنة ثم رفعها إلى الحكومة، وانتظار إقرار الموازنة العامة وصرف المخصصات وبعد ذلك توزيع المستندات المالية بصورة ورقية ومتابعة إجراءات طرح العطاءات فهذا النموذج لا يصنع تنمية محلية وإنما يجعل مجلس المحافظة أقرب إلى حلقة إجرائية في دورة الموازنة العامة والأخطر من ذلك أن عدم تنفيذ العطاء خلال السنة المالية لأي ظرف إداري أو فني أو إجرائي قد يؤدي إلى إعادة المخصصات إلى الحكومة أو توجيهها في حال وجود عجز إلى سداد الديون دون أن يتحقق المشروع الذي أدرج أصلا استجابة لاحتياج تنموي في المحافظة وفي الوقت نفسه قد يسجل في بعض الأحيان أن مجلس المحافظة قام بصرف تلك المخصصات في حين أن المشروع نفسه لم ير النور ولم تتحول المخصصات إلى أصل تنموي أو خدمة يستفيد منها المواطن
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط الضعف التي تحتاج إلى معالجة حقيقية فمجلس المحافظة لا يمتلك بالصورة التي تمكنه من ممارسة دوره التنموي أصولا مالية مستقلة ولا حسابات مصرفية لدى بنك تنمية المدن والقرى على غرار البلديات الأمر الذي يحد من قدرته على إدارة موارده ومتابعة تنفيذ مشاريعه بكفاءة واستمرارية
وهذا هو الإصلاح الذي أراه ضروريا لمجالس المحافظات بغض النظر عن كونها منتخبة انتخابا مباشرا أو غير مباشر فكلتا الصيغتين تقومان على تمثيل شعبي وأعضاء المجلس في النهاية أبناء المحافظة وهم الأقرب إلى معرفة احتياجات مناطقهم وأولوياتها ويعملون على خدمة الوطن ولذلك فإن جوهر الإصلاح يجب أن ينتقل من الجدل حول شكل التمثيل إلى بناء مجلس محافظة يمتلك صلاحيات حقيقية وموارد مالية واضحة وأدوات تنفيذ ومتابعة ونظاما مؤسسيا يضمن بقاء المخصصات الموجهة للمشاريع التنموية مرتبطة بالمشروع حتى إن تعثر تنفيذه خلال السنة المالية وفق ضوابط قانونية ومالية واضحة بدل أن تضيع المخصصات أو تعود إلى المركز بصورة تلقائية وفي هذا السياق أرى أن جلسات الاستماع والمشاركة المجتمعية يمكن أن تؤدي دورا مهما جدا في تحديد الاحتياجات والأولويات التنموية للمناطق شريطة ألا تكون جلسات بروتوكولية وإنما أداة حقيقية لصناعة القرار فمن خلال الاستماع إلى المواطنين والبلديات والقطاعات الاقتصادية والشباب والمرأة ومؤسسات المجتمع المدني يستطيع مجلس المحافظة أن يبني خريطة حقيقية للاحتياجات ويرتب أولوياته على أساس حجم المشكلة وأثرها التنموي وعدالة توزيع المشاريع لا على أساس المطالب الفردية أو الاعتبارات المناطقية فمجلس المحافظة الذي نريده ليس صندوق بريد يرفع المطالب والموازنات إلى الحكومة وإنما مؤسسة تخطيط وتنمية تملك القدرة على تحويل احتياجات أبناء المحافظة إلى مشاريع وتحويل المخصصات المالية إلى نتائج وتحويل الخطط من أوراق إلى واقع أما الجهاز التنفيذي في المحافظة فيجب أن يتولى دوره الحكومي والتنفيذي والتنسيقي وإذا لم تكن الحدود واضحة فسوف نعيد إنتاج مشكلة التداخل المؤسسي أما إذا كانت الأدوار واضحة فيمكن لمجلس المحافظة أن يصبح بالفعل عقل المحافظة التنموي وهذا هو الفرق بين اللامركزية الحقيقية واللامركزية الشكلية
اما اذا بقينا عند سؤال هل نريد مجالس محافظات منتخبة فقط أم مجالس قادرة؟
الاجابه أن المشاركة الشعبية قيمة أساسية ولا ينبغي أن نتراجع عنها لكنني أرى أن النقاش يجب ألا يبقى محصورا في سؤال من ينتخب؟
بل يجب أن نضيف سؤالا اخر
من يستطيع أن يدير؟
نحن بحاجة إلى مجالس تجمع بين الشرعية والكفاءة فالانتخابات تمنح الشرعية لكنها لا تمنح الخبرة تلقائيا ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ قبل الانتخابات من خلال إعداد القيادات المحلية وأقترح إنشاء مدرسة وطنية للإدارة المحلية تقدم برامج تدريبية لرؤساء وأعضاء المجالس والكوادر التنفيذية و الشباب النشاطء في العمل العام الذين يرغبون في الترشح والانخراط في عمل الإدارة المحلية باعتبار أنهم قادر المستقبل في مجالات عده مثل الإدارة العامة والمالية المحلية والتخطيط والاستثمار والحوكمة والتشريع والرقمنة وإدارة المشاريع
فالاستثمار الحقيقي في الإدارة المحلية ليس فقط في الأبنية والمركبات والمعدات وإنما في الإنسان الذي يديرها
لأن المواطن يجب أن يعود إلى قلب الإدارة المحلية وان من أهم الاتجاهات التي أرحب بها تعزيز المشاركة المجتمعية والحوكمة بما في ذلك لجان الأحياء والمشاركة في إعداد الخطط والموازنات لكن المشاركة يجب ألا تتحول إلى اجتماعات شكلية المواطن يجب أن يعرف أين ستذهب الموازنة؟
ما المشروع الذي سيُنفذ؟
متى سيبدأ؟
كم تبلغ كلفته؟
ما نسبة إنجازه؟
ومن المسؤول عنه؟
وهنا يمكن أن تتحول لجان الأحياء إلى حلقة وصل حقيقية بين المواطن والبلدية لان الديمقراطية المحلية تبدأ من الحي قبل أن تصل إلى البلدية
اما الرقابة التي نحتاج رقابة تحمي القرار ولا تقتله وأنا مع الرقابة الكاملة على المال العام ومع التدقيق والمساءلة ومنع الفساد وتضارب المصالح لكنني في الوقت نفسه أرفض أن تتحول الرقابة إلى وصاية و هناك فرق بين أن تراقب الدولة قانونية القرار وسلامة المال العام وبين أن تتدخل في كل تفصيل من تفاصيل القرار المحلي ولهذا يجب أن ننتقل تدريجيا من رقابة القرار إلى رقابة الأداء والنتائج
والسؤال الأهم يجب أن يكون هل أنجزت البلدية؟
هل حافظت على المال العام؟
هل تحسنت الخدمات؟
هل نفذت خطتها؟
هل حققت الإيرادات المستهدفة؟
هل تحققت العدالة بين المناطق؟
هذه هي الرقابة التي نحتاجها
اما في ما يخص التحول الرقمي ليس رفاهية أو ترفا سياسيا لأن البلدية التي لا تتحول رقميا ستتراجع لكن الرقمنة ليست أن نستبدل الورقة بشاشة التحول الحقيقي هو أن يستطيع المواطن متابعة معاملته ومعرفة كلفتها ومدة إنجازها وأن يستطيع الوصول إلى معلومات الموازنة والمشاريع والأصول والخدمات وأرى أن الأردن بحاجة إلى منصة وطنية للشفافية المحلية ترتبط بها البلديات ومجالس المحافظات وتعرض بصورة مبسطة الموازنة والمشاريع ونسب الإنجاز والإيرادات والمصروفات والشكاوى والأصول والاستثمارات فالشفافية عندما تصبح رقمية تصبح أكثر قابلية للقياس والمساءلة
اما القضية اللهم والأكبر الشباب والمرأة من التمثيل إلى صناعة القرار أرحب بتعزيز تمثيل المرأة وفتح مساحة أكبر أمام الشباب لكنني أرى أن النسبة وحدها لا تكفي ولا نريد شابا في المجلس لمجرد أنه شاب ولا نريد امرأة لمجرد استكمال نسبة نريد قيادات محلية حقيقية المرأة والشاب يجب أن يكونا قادرين على قراءة الموازنة وفهم القانون ومناقشة الاستثمار وتقييم المشاريع وصناعة السياسات ولهذا يجب أن يترافق التمثيل مع التأهيل
اما البلديات الصغيرة اعتقد ان القوة ليست في الحجم ولا أعتقد أن مستقبل الإدارة المحلية يقوم على جعل كل بلدية أكبر لأن القوة ليست في الحجم القوة في القدرة ولهذا فإن مجالس الخدمات المشتركة والتعاون بين البلديات يمكن أن تكون حلا عمليا في مجالات مثل النفايات والصيانة والنقل والمشتريات والمشاريع البيئية والخدمات الفنية فليس منطقيا أن تتحمل كل بلدية كلفة إنشاء جهاز مستقل لكل خدمة إذا كان بإمكان عدة بلديات أن تتشارك في الخدمة نفسها بكفاءة أعلى وكلفة أقل وهذا ليس طرحا نظريا بالنسبة لي وانطلاقا من هذه القناعة أعددت ايضا قبل نحو عام ورقة سياسات تناولت فكرة الموازنات التشاركية بين البلديات ومجالس المحافظات انطلاقا من ضرورة إعادة التفكير في الطريقة التي تدار بها الموارد المحلية وكيف يمكن توجيهها نحو المشاريع ذات الأولوية بدل تشتيتها بين مستويات ومؤسسات متعددة ومن هذا المنطلق أرى أن الوقت قد حان لإعادة تقييم الحاجة إلى مجالس الخدمات المشتركة بصورتها الحالية وبقناعتي فإن استمرارها كطبقة مؤسسية إضافية ليس بالضرورة الخيار الأكثر كفاءة ويمكن الاستغناء عنها تدريجيا إذا ما جرى نقل صلاحياتها واختصاصاتها الخدمية إلى البلديات مع إيجاد آليات تعاقدية وتشاركية تسمح للبلديات المتجاورة بتنفيذ الخدمات والمشاريع المشتركة فيما بينها عند الحاجة فالهدف من الإصلاح ليس الإبقاء على المؤسسات لمجرد وجودها وإنما الوصول إلى أقل عدد ممكن من المستويات الإدارية القادرة على تقديم أفضل خدمة بأقل كلفة ونقل هذه الصلاحيات إلى البلديات ضمن منظومة واضحة للتعاون والموازنات التشاركية يمكن أن يعزز الموارد المتاحة للبلدية ويوسع قدرتها على تنفيذ المشاريع ويقلل في الوقت ذاته النفقات الإدارية والتشغيلية التي تتحملها الدولة في إدارة مؤسسات إضافية
وبذلك نكون أمام معادلة أكثر كفاءة وموارد أكبر تذهب إلى البلدية والمواطن ومؤسسات أقل تداخلا ونفقات إدارية أقل وصلاحيات أوضح ومسؤولية يمكن تحديدها ومحاسبتها فالإدارة المحلية الحديثة لا تقاس بعدد المؤسسات التي تنشئها وإنما بقدرتها على تقديم الخدمة بأعلى جودة وأقل كلفة وتحقيق أكبر أثر تنموي ممكن
ومن جوهر القانون إلى التنفيذ هنا يبدأ الاختبار لأن المشروع يفتح أبوابا مهمة لكنني لا أعتقد أن القانون وحده سيصنع الإدارة المحلية التي نريدها المعركة الحقيقية تبدأ بعد صدور القانون لأننا نحتاج إلى أنظمة واضحة وكوادر مؤهلة وموازنات واقعية وبرامج تدريب وتحول رقمي وإعادة هيكلة مالية وإدارية ونظام استثمار ومؤشرات أداء وقد أشارت الحكومة إلى أن إقرار القانون بصيغته النهائية سيتبع تعديل أكثر من 20 نظاما مرتبطا به وهنا يجب أن نتعلم من التجارب السابقة انه لا يكفي أن يكون القانون جيدا على الورق إذا بقيت الممارسة الإدارية كما هي
اما ماذا نريد من الإدارة المحلية ؟
نريد بلدية قويةلا بلدية مثقلة بالصلاحيات والديون نريد مجلسا منتخبا يضع السياسات ويراقب لا مجلسا يغرق في التفاصيل التنفيذية نريد رئيس بلدية يمتلك شرعية شعبية ورؤية تنموية نريد مديرا تنفيذيا مهنيا يحاسب على النتائج نريد مجلس محافظة يخطط وينسق ولا ينافس البلدية نريد مواطنا يشارك في القرار ويعرف أين تذهب أمواله نريد استثمارا بلديا يحافظ على المال العام ويخلق فرص العمل نريد رقابة تمنع الفساد دون أن تمنع القرار نريد تحولا رقميا يجعل الخدمة أسرع وأكثر شفافية نريد إدارة محلية تنظر إلى كل محافظة ومدينة وبلدة وقرية باعتبارها فرصة تنموية وليست مجرد وحدة إدارية
اما رؤيتي للأردن المحلي إذا أردنا أن نرى نتائج حقيقية لهذا الإصلاح فإنني أرى أن هدفنا يجب أن يكون بناء نموذج محلي حقيقي يقوم على بلديات قادرة ماليا
مجالس منتخبة فاعلة
إدارة تنفيذية مهنية
مجالس محافظات ذات وظيفة تنموية واضحة
أصول بلدية مستثمرة بصورة آمنة
موازنات مرتبطة بالنتائج
منظومة رقمية للشفافية والمساءلة
شراكات حقيقية مع القطاع الخاص والمجتمع المدني
مشاركة حقيقية للمواطن
تأهيل مستمر للقيادات المحلية
عندها فقط يمكن أن نقول إننا انتقلنا من اللامركزية الإدارية الشكلية إلى التنمية المحلية الفعلية
وها هو القانون هو بداية الطريق وبعد قراءة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 أرى أننا أمام خطوة مهمة لكنها ليست نهاية الإصلاح إنها بداية مرحلة جديدة والنجاح لن يقاس بعدد المجالس التي ستنتخب ولا بعدد المديرين الذين سيعينون ولا بعدد المواد التي ستصدر النجاح سيقاس عندما يرى المواطن أثر الإدارة المحلية في حياته شارع أفضل خدمة أسرع مدينة أنظف استثمار أكثر فرص عمل جديدة موازنة أكثر شفافية ومشاريع أكثر عدالة بين الأحياء والمناطق ومن هنا أعود إلى السؤال الذي طرحته في نهاية عام 2025
الإدارة المحلية… إلى أين؟
واليوم أصبح السؤال مختلفا
لم يعد السؤال إلى أين نذهب وإنما
أي إدارة محلية نريد أن نبني؟
وأنا أرى أن الإدارة المحلية التي نريدها ليست إدارة أكثر تعقيدا ولا مؤسسات أكثر عددا إنها إدارة أكثر كفاءة وأكثر استقلالا وأكثر مساءلة وأكثر قدرة على الاستثمار والتنمية فالدولة المركزية لا تصبح أضعف عندما تمنح الإدارة المحلية مساحة من الثقة والمسؤولية بل تصبح أقوى عندما تعرف ماذا تدير من المركز وماذا تترك للمحليات وكيف تراقب وتحاسب دون أن تصادر القرار والإدارة المحلية ليست تنازلا من الدولة عن سلطتها
إنها إعادة هندسة لطريقة إدارة الدولة
الدولة تضع السياسات الوطنية وتحمي وحدة الدولة ومصالحها العليا والإدارة المحلية تحول هذه السياسات إلى برامج ومشاريع تستجيب لخصوصية كل مدينة ومحافظة وبلدة وقرية وهنا يجب أن ننتقل من السؤال
ماذا تستطيع البلدية أن تفعل؟
إلى السؤال الأكثر طموحا
ماذا تستطيع البلدية أن تصنع؟
أن تصنع استثمارا
أن تصنع فرصة عمل
أن تصنع مدينة أكثر ذكاء
أن تصنع بيئة أفضل
أن تصنع سياحة محلية
أن تصنع اقتصادا دائريا
أن تصنع شراكة مع القطاع الخاص
وأن تصنع قبل كل ذلك ثقة جديدة بين المواطن والدولة
فالأردن الذي نريده لا يبنى من المركز وحده إنه يبنى أيضا من كل مدينة وبلدة وحي وقرية
يبنى عندما يصبح المواطن شريكا في القرار وتصبح البلدية شريكا في الاقتصاد ويصبح مجلس المحافظة شريكا في التخطيط وتصبح الدولة المركزية شريكا في التمكين ولهذا فإنني أرى أن عنوان المرحلة المقبلة يجب ألا يكون الإدارة المحلية إلى أين؟
بل
الإدارة المحلية كيف نصنع منها قلب التنمية في الأردن؟
فهنا يبدأ الاختبار الحقيقي القانون يضع الإطار لكن الإرادة المؤسسية تصنع النتيجة والانتخابات تمنح الشرعية لكن الإنجاز يصنع الثقة والصلاحيات تفتح الباب لكن الكفاءة هي التي تعبر به والمال يمول التنمية لكن حسن الإدارة يحول المال إلى قيمة وتلك في تقديري هي الإدارة المحلية التي يستحقها الأردن وهي المسؤولية التي تبدأ من اليوم لا من الغد



