
من الكلمةِ إلى الدمِ.. شهداءُ الكَرَكِ مُخلَّدون
نشامى الاخباري _ شيرين قسوس
الكراهية لا تبني الأوطان… ودماء شهداء الكرك أمانة في أعناقنا، لم تكن جريمة الكرك حادثة عابرة في سجل العنف، بل جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة خطابنا وسلوكنا، ومواجهة الأفكار التي تجعل الإنسان عدوًا لأخيه بسبب دينه أو مذهبه أو رأيه. لقد تركت جرحًا عميقًا في وجدان الأردنيين، وأعادت إلينا حقيقة مؤلمة: أن الكراهية حين تجد طريقها إلى العقول تصير خطرًا يهدد المجتمع بأسره، وأن التطرف إذا تُرك بلا مواجهة فكرية وتربوية ومجتمعية انتهى إلى الدم والخراب.
والكرك كانت، وستبقى، جزءًا أصيلًا من وجدان الأردن وذاكرته الوطنية، أرضًا عُرفت برجالها ومواقفها وتضحيات أبنائها. ولا يجوز أن يُختزل ما شهدته في لحظة عنف، بل ينبغي أن يكون دافعًا لمراجعة الأسباب التي تسمح للكراهية بالتسلل إلى النفوس، وللخطاب المتطرف بأن يجد من يصغي إليه. فهذا وجع وطني لا يخص عائلة بعينها ولا مدينة دون غيرها، أصاب كل بيت أردني آمن بأن الاختلاف لا يبرر العداء، وأن الإنسان لا يفقد حقه في الحياة والكرامة بسبب معتقده أو فكره أو انتمائه. ومن هنا فإن استذكار شهداء الكرك ليس استعادة للحزن فحسب، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية تفرض علينا حماية المجتمع من تكرار المأساة، ومواجهة كل خطاب يحرّض على الكراهية أو يبرر العنف.
ويزداد الألم عمقًا حين تكون الخسارة شخصية. فقد خسرتُ خالي الدكتور محمد، الذي سمّته عائلته على مبدأ عروبي وقومي جامع، فعاش بما يحمله الاسم: سندًا لأبناء وطنه، وحصنًا وملجأً لكل فئات المجتمع بلا تمييز، وصاحب أيادٍ بيضاء لا تسأل عن دين من تعينه ولا أصله. كان له مكانته وأثره في نفوس من عرفوه، وكانت سيرته تكذّب خطاب الكراهية، ثم سقط شهيدًا بيد من أرادوا للوطن أن ينقسم على نفسه. والفقد لا تختصره الكلمات ولا يعيد من رحلوا، لكنه يضع أمامنا سؤالًا لا يجوز الهروب منه: كيف تدفع الكراهية إنسانًا إلى الاعتداء على إنسان آخر؟ وكيف تنتزع فكرة متطرفة من صاحبها إنسانيته حتى يصبح العنف في نظره مبررًا؟
إن خسارة الأحبة تترك في القلب ألمًا لا تمحوه الأيام، لكنها قد تتحول إلى دافع للتمسك بالحياة، والدفاع عن الرحمة والعدل، ورفض كل ما يجعل الدم الإنساني رخيصًا. ومن هذا المنطلق، فدماء شهداء الكرك أمانة في أعناقنا جميعًا؛ أمانة تقتضي ألا نسمح للكراهية بأن تنتصر، وألا نرد على العنف بعنف آخر، وألا نمنح المتطرفين فرصة لتفكيك نسيجنا الاجتماعي أو زرع الشك والعداء بين أبناء الوطن الواحد.
التطرف لا يبدأ بالسلاح. يبدأ بكلمة تحقّر الآخر، أو خطاب يصنّف الناس بحسب هوياتهم، أو فكرة تزرع في النفوس أن جماعة بعينها تملك الحقيقة كاملة وأن غيرها لا يستحق الاحترام ولا الحقوق. وحين تتكرر هذه الأفكار دون نقد أو مواجهة، تصبح البيئة أكثر قابلية للتحريض، ويغدو العنف نتيجة محتملة لمسار طويل من الإقصاء والتعصب. وأخطر ما نواجهه أن تصير الكراهية أمرًا مألوفًا، وأن يُعدّ التحريض تعبيرًا عاديًا عن الرأي، أو أن يُمنح العنف غطاءً دينيًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا. فالكلمة التي تستخف بكرامة الإنسان تمهّد لفعل أشد خطورة، والخطاب الذي ينزع عن الآخرين إنسانيتهم يجعل الاعتداء عليهم أهون على من يتبناه.
ولهذا لا تكفي إدانة الجرائم بعد وقوعها، بل لا بد من معالجة جذورها الفكرية والاجتماعية والتربوية، ومراجعة الخطابات التي تبرر التمييز أو تحرّض على الكراهية، وتعزيز ثقافة تحترم الإنسان وترى في الاختلاف جزءًا طبيعيًا من الحياة. فالمجتمع القوي ليس الذي يتشابه أفراده في آرائهم وقناعاتهم، بل الذي يختلفون فيه دون أن يتحول اختلافهم إلى خصومة وعداء. وهذه مسؤولية لا تقع على جهة واحدة، بل تشترك فيها الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية ومؤسسات الدولة، وكل فرد قادر على التأثير في محيطه.
وتبدأ المواجهة من البيت والمدرسة والجامعة، بتربية الأجيال على الرحمة والعدل واحترام الاختلاف، وتعزيز التفكير النقدي والمواطنة في المناهج وأساليب التعليم. فالطفل الذي يتعلم أن الإنسان يُقاس بأخلاقه وأفعاله لا بدينه أو أصله أو رأيه، يكون أقدر على مقاومة خطاب الكراهية، ويدرك أن الاختلاف لا يبرر العداوة، وأن الحوار أقوى من الإهانة، وأن التمسك بالقناعات لا يمنح أحدًا الحق في مصادرة حقوق الآخرين. ومن هنا تأتي أهمية تطوير المناهج بما يرسخ قيمة الإنسان، ويعزز المساواة أمام القانون، ويفرّق بين الإيمان الذي يسمو بالأخلاق والتطرف الذي يتخذ من الدين أو الهوية غطاءً للعدوان. فالوطن الذي يجمع أبناءه لا يجوز أن يتحول إلى ساحة لفرض الأفكار بالقوة.
وللخطاب الديني المسؤول دور محوري في تعزيز الرحمة والتسامح، وتأكيد حرمة الدم الإنساني، ورفض توظيف الدين لتبرير العنف. فالدين الذي يدعو إلى الرحمة لا يصلح ذريعة لقتل الأبرياء، ولا يكون مصدرًا للكراهية حين يُفهم في إطار قيمه الأخلاقية والإنسانية. وإنما تكمن الخطورة في توظيفه لتكريس التعصب، أو منح العنف شرعية زائفة، أو إقناع الشباب بأن الاعتداء على المختلف واجب أو بطولة.
وللإعلام دور أساسي في تشكيل الوعي العام، فينبغي أن يكون منبرًا للحوار والتفاهم، لا مساحة لتضخيم الانقسامات ونشر التحريض. والمسؤولية الإعلامية تقتضي التحقق من المعلومات، وتجنب التعميم، وعدم تحميل جماعة كاملة وزر أفعال أفراد، لأن التعميم يظلم الأبرياء، ويغذي الانقسام، ويمنح خطاب الكراهية فرصة جديدة للانتشار.
أما المواطنة فليست جنسية أو انتماءً جغرافيًا فحسب، بل عقد أخلاقي وقانوني يقوم على الحقوق والواجبات، وتحمي الدولة بموجبه مواطنيها دون تمييز. ولا تتحقق بالشعارات، بل حين يشعر كل أردني بأنه شريك حقيقي في وطنه، وأن صوته مسموع، وأن القانون ينصفه ويُطبَّق على الجميع. ولذلك لا تكتمل مواجهة التطرف من دون ترسيخ العدالة وسيادة القانون، وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة، وضمان تكافؤ الفرص، وفتح مساحات حقيقية للمشاركة والحوار. وكلما ترسخت العدالة والانتماء، ضاقت المساحة التي يستغلها المتطرفون للتجنيد والتحريض ونشر الأفكار الظلامية.
وحماية الشباب تتطلب الإصغاء إليهم، وفهم التحديات التي يواجهونها، وتوفير فرص التعليم والعمل والمشاركة، وتقوية قدرتهم على التفكير المستقل والتحقق مما يتلقونه من أفكار. فهم ليسوا مجرد فئة يستهدفها خطاب التطرف، بل خط الدفاع الأول في مواجهته، متى امتلكوا الوعي والثقة والفرصة للإسهام في بناء مجتمع أكثر عدلًا وتماسكًا.
ومن المهم ألا يتحول الألم والغضب إلى كراهية جماعية أو اتهامات عشوائية. فالمحاسبة العادلة تقوم على الأفعال والأدلة لا على الانتماءات والهويات. وإذا كان التطرف يسعى إلى تفريق المجتمع وإشعال العداوة بين أبنائه، فإن الرد الحقيقي عليه هو التمسك بوحدة المجتمع، واحترام القانون، وحماية الأبرياء، ورفض الانتقام والتعميم.
والأردن، بما يحمله من إرث وطني وتاريخ من التعايش والتكافل، يملك من القيم والقدرات ما يؤهله لمواجهة هذه التحديات. لكن الحفاظ على هذا الإرث يتطلب عملًا مستمرًا لا يقتصر على المناسبات وردود الفعل المؤقتة. نحن بحاجة إلى ثقافة عامة ترفض التحريض، ومؤسسات تعليمية تغرس قيم الحوار، وخطاب ديني مسؤول، وإعلام مهني، وقانون يُطبَّق بعدالة، ومجتمع يؤمن بأن كرامة الإنسان لا تقبل المساومة.
إن الوفاء لشهداء الكرك، ومنهم خالي الدكتور محمد، لا يكون بالحزن وحده ولا باستحضار أسمائهم في المناسبات، بل بتحويل ذكراهم إلى موقف واضح من الكراهية والعنف والتطرف. الوفاء لهم أن ندافع عن حق الإنسان في الحياة والأمان، وأن نرفض كل فكر يبرر سفك الدماء، وأن نربي أبناءنا على أن قوة الوطن في تماسك أبنائه وقدرتهم على الاختلاف دون أن يفقدوا احترام بعضهم بعضًا.
فالأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تستقر بالإقصاء، ولا تحميها الأصوات التي تزرع العداوة بين الناس. إنما تُبنى بالعدل والرحمة، وبالمواطنة التي تساوي بين أبنائها، وبالتعليم الذي يفتح العقول، وبالحوار الذي يخفف الانقسام، وبالقانون الذي يحمي الحقوق، وبالإرادة الصادقة التي تضع الإنسان وكرامته في مقدمة الأولويات.
ستبقى الكرك حاضرة في وجداننا، وستبقى ذكرى شهدائها مسؤولية لا تسقط بالتقادم. أما دماء الراحلين فلا ينبغي أن تكون وقودًا لمزيد من الكراهية، بل عهدًا بأن نعمل من أجل وطن أكثر أمنًا وعدلًا وتماسكًا؛ وطن لا يُقصي أبناءه بسبب اختلافهم، ولا يسمح للمتطرفين بأن يختطفوا مستقبله، ولا ينسى أن الإنسان هو الغاية من كل بناء.
ودماء شهداء الكرك أمانة في أعناقنا جميعًا، والوفاء لهذه الأمانة يبدأ برفض الكراهية، ومواجهة التطرف، وصون كرامة الإنسان، وبناء وطن يتسع لجميع أبنائه.
وهكذا كانت قبلة الوداع الاخيرة.. لخالي الحبيب الذي دخل التاريخ من أوسع أبوابه.




