
الأردن في مواجهة الإرهاب.. حين يستهدف الفكر الظلامي أمن الوطن ووحدته الوطنية
نشامى الاخباري _ اللواء المتقاعد طارق عبدالمحسن الحباشنة
من كنيسة حمود إلى استشهاد العريف جواد السلايطة.. جريمتان تكشفان خطورة الفكر التكفيري، وتفرضان مواجهة وطنية شاملة لتحصين الأردن واجتثاث التطرف.
«الإرهاب لا يريد قتل الأبرياء فقط؛ بل يريد تفكيك المجتمع وضرب الثقة بالدولة، ومعركتنا الحقيقية هي مع الفكر الذي يبرر له القتل».
ليست جريمة الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك، وما أعقبها من استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة في العاصمة عمّان، حادثتين أمنيتين منفصلتين يمكن التعامل معهما باعتبارهما واقعتين عابرتين؛ فالمشهد أكبر من ذلك، والرسائل التي تحملها هاتان الجريمتان أخطر من أن تُقرأ في حدود المكان والزمان. نحن أمام تهديد يستهدف الإنسان الأردني وأمنه، ويحاول النيل من ركائز الدولة ووحدتها الوطنية، عبر فكر تكفيري ظلامي لا يعترف بالاختلاف، ولا يحترم حرمة الدم، ولا يقبل بالدولة ومؤسساتها. إن استهداف دار عبادة واستهداف رجل أمن يؤدي واجبه يضعاننا أمام جرس إنذار وطني يستوجب الانتقال من إدانة الجرائم إلى مواجهة الفكر الذي ينتجها، وتجفيف منابعه، ومنع تحوله إلى سلوك إجرامي.
في حمود، لم يكن استهداف الكنيسة اعتداءً على مكان للعبادة فحسب، بل اعتداءً على قيم التعايش والشراكة الوطنية التي حافظ عليها الأردنيون عبر تاريخهم. فقد أسفرت الجريمة عن استشهاد تسعة مواطنين وإصابة 34 آخرين، وفق الحصيلة الرسمية، في مشهد مؤلم استهدف مواطنين آمنين خلال مناسبة اجتماعية ودينية. فالمسلم والمسيحي، وابن المدينة والقرية والعشيرة، جميعهم شركاء في هذا الوطن، وأي اعتداء يستهدف واحداً منهم هو اعتداء على الجميع. ثم جاءت جريمة استهداف العريف جواد السلايطة واستشهاده أثناء أداء واجبه الأمني لتكشف وجهاً آخر من وجوه هذا التهديد؛ فالاعتداء لم يستهدف إنساناً يؤدي واجبه فحسب، بل استهدف رجل أمن يقف في الصفوف الأولى لحماية المجتمع، وحاول النيل من هيبة الدولة ومؤسساتها. وهنا تتضح حقيقة هذا الفكر: إنه لا يستهدف فئة بعينها، بل يستهدف الأردن بأكمله.
إن أخطر ما في الفكر التكفيري المتطرف، ومنه الفكر الداعشي، أنه لا يبدأ بالسلاح، وإنما يبدأ بتسميم العقول، وتشويه المفاهيم الدينية، وتكفير المجتمع، وإقناع أتباعه بأن الاختلاف عداوة، وأن الدولة خصم، وأن استباحة دماء الأبرياء يمكن تبريرها بشعارات دينية زائفة. إنه فكر يقوم على الإقصاء والكراهية، ويرفض المواطنة المتساوية، ويحاول تحويل الدين من رسالة رحمة وعدل إلى أداة للتحريض والعنف. ولذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الشخص الذي يحمل السلاح وينفذ الجريمة، وإنما في المنظومة الفكرية التي تهيئه لذلك، وفي كل خطاب يبرر التطرف أو يروّج للكراهية أو يمنح العنف غطاءً عقائدياً زائفاً. فالسلاح يمكن مصادرته، والإرهابي يمكن القبض عليه ومحاكمته، أما الفكر المنحرف فلا يُهزم إلا بمواجهة فكرية وتربوية ودينية ومجتمعية مستمرة.
ولعل أخطر ما يسعى إليه الإرهاب يتجاوز حدود القتل والتدمير؛ فهو يريد أن يترك خلفه مجتمعاً خائفاً، ومكونات متوجسة من بعضها، ومواطنين يشككون بقدرة دولتهم على حمايتهم، ومؤسسات تتعرض للاتهامات والتشكيك. إنه يريد أن يحول الجريمة إلى حالة من القلق والارتباك، وأن يضرب الثقة بين المواطن ومؤسساته، وأن يستثمر الشائعات والانفعالات لإحداث الانقسام الذي عجز عن تحقيقه بالعنف. وهنا يجب أن تكون الإجابة الأردنية واضحة: لا تهاون مع الإرهاب، ولا تساهل مع التحريض أو الترويج للفكر التكفيري، ولا مكان للتردد في ملاحقة كل من يثبت تورطه في التخطيط أو التحريض أو التنفيذ، وفق أحكام القانون. وفي المقابل، لا يجوز السماح للشائعات أو التعميم أو خطاب الكراهية بأن يحقق للإرهاب أهدافاً إضافية؛ فتماسك المجتمع وثقة المواطنين بمؤسساتهم جزء أصيل من منظومة الأمن الوطني.
ومن هنا، فإن مواجهة هذا الخطر لا يمكن أن تبقى مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، مهما بلغت كفاءتها وتضحيات منتسبيها؛ فالأمن الوقائي يبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والإعلام والمنصات الرقمية. وتقع على المؤسسات الدينية مسؤولية مواجهة خطاب التكفير والغلو، وترسيخ الفهم الصحيح للدين، وعلى المؤسسات التعليمية مسؤولية بناء الوعي والتفكير النقدي وثقافة الحوار والمواطنة، فيما يتحمل الإعلام مسؤولية التصدي للشائعات وخطابات الكراهية وعدم منح المنابر للمحرضين. كما أن الأسرة شريك أساسي في حماية أبنائها من الاستقطاب والتجنيد الفكري. وقد جاءت التوجيهات الملكية في أعقاب جريمة حمود واضحة في هذا الاتجاه، بالتأكيد على تقييم الجاهزية الأمنية، واستباق التهديدات، ومراجعة السياسات الوطنية لمواجهة الفكر المتطرف. وهنا تبرز ضرورة مراجعة الخطة الوطنية لمواجهة التطرف التي وضعت عام 2014، وتقييم ما نُفذ منها وما تعثر، وقياس أثر برامجها، وتحديد مواطن الخلل في التنسيق والمسؤوليات، وتحديثها بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الراهنة. فالمطلوب ليس إطلاق خطط جديدة مع كل حادثة، وإنما بناء سياسة وطنية مستدامة، بأدوار ومسؤوليات واضحة، ومؤشرات أداء وجداول زمنية محددة، تضمن الانتقال من تعدد الخطط إلى تحقيق النتائج.
ولا يمكن قراءة هذه التهديدات بمعزل عن محيط الأردن الإقليمي، خصوصاً في ضوء ما أعلنته القوات المسلحة الأردنية بشأن عملية «الردع الأردني – حمود» التي استهدفت مواقع للتنظيمات الإرهابية في جنوب شرق سوريا، وما أعلنته القوات المسلحة عن ارتباط منفذي اعتداء حمود بتلك التنظيمات. وهذا يؤكد أهمية اليقظة على الحدود، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباري، وملاحقة شبكات التجنيد والتمويل والتخطيط. لكن حماية الجبهة الخارجية لا تغني عن تحصين الجبهة الداخلية؛ فالمطلوب منظومة متكاملة تجمع بين قوة الردع، وكفاءة الأجهزة الأمنية، والعمل الاستباقي، والوعي المجتمعي. ولا يعني جمع الحادثتين في قراءة أمنية واحدة افتراض وجود ارتباط تنظيمي أو عملياتي بين منفذيهما، وإنما يجمعهما خطر الفكر المتطرف الذي يستهدف أمن الدولة والمجتمع، كل وفق ما تثبته التحقيقات والبيانات الرسمية.
لقد دفع الأردن ثمناً باهظاً من دماء أبنائه في مواجهة الإرهاب، ولم يكن رجال الأمن يوماً بعيدين عن الخطر، بل ظلوا في مقدمة الصفوف دفاعاً عن الوطن وأمن مواطنيه. واستشهاد العريف جواد السلايطة يضيف اسماً جديداً إلى سجل شهداء الواجب، فيما تبقى دماء شهداء حمود شاهداً على وحشية فكر لا يتردد في استهداف الأبرياء. والوفاء لهؤلاء الشهداء لا يكون بالكلمات وبيانات الإدانة وحدها، بل بمواصلة حماية الوطن، ومراجعة أدوات الوقاية، وملاحقة كل من يهدد أمن الأردنيين، وتحويل التوجيهات الوطنية إلى إجراءات ونتائج ملموسة. فاستهداف كنيسة أردنية هو استهداف لكل مسجد وبيت أردني، والاعتداء على رجل الأمن هو اعتداء على حق كل مواطن في الأمن والحياة. إن معركتنا الحقيقية ليست مع من يحمل السلاح وحده، بل مع الفكر الذي يبرر له القتل؛ فحماية الأردن مسؤولية دولة ومجتمع، والوحدة الوطنية وسيادة القانون خط الدفاع الذي لا يجوز أن يُخترق.




