
معضلة الخطاب… حين يرتدي الدين عباءة السياسة
نشامى الاخباري _ شيرين قسوس
ليست معضلة الخطاب في مجتمعاتنا أزمة كلمات تُقال، بل أزمة وعي تبدأ حين تختلط المقدسات بالمصالح، فيصبح الدين أداة في يد السياسة، وتتحدث السياسة باسم السماء، وكأن الحقيقة الإلهية لا تُفهم إلا من خلال موقف سياسي.
أخطر ما يصيب الوعي الجمعي أن يُدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأن موقفه السياسي جزء من عقيدته، وأن معارضته لحزب أو حكومة معارضة للدين، وأن تأييده لجهة بعينها دليل إيمانه. هنا ننقل الخلاف من ميدانه الطبيعي، وهو المصالح والاجتهاد والاختلاف البشري، إلى ميدان المقدس الذي لا يجوز أن يُستعمل سلاحاً لتصفية الحسابات.
خذ مثالاً بسيطاً: تقوم مجموعة من النواب بالصلاة تحت القبة، فنرى الممارسة فنظن أن قيادتهم السياسية نزيهة، ونمنحها نوعاً من القدسية. وبالمقابل لا نقرأ أصحابها من الداخل، ولا نفحص أداءهم وبرامجهم ونواياهم. صار المظهر الديني بديلاً عن المحاسبة، وصارت الصلاة شهادة حسن سلوك سياسي.
الدين رسالة قيم، والسياسة إدارة مصالح. الدين يدعو إلى العدل والرحمة وصيانة كرامة الإنسان ويمنحه بوصلة أخلاقية، أما السياسة فتتعامل مع الممكن والمتغير وتخضع لتوازنات القوة والاقتصاد. ومن هنا فإن الفصل بين الخطابين لا يعني إقصاء الدين عن الحياة العامة ولا إبعاد القيم عن صناعة القرار، بل يعني حماية الدين من الاستغلال، وحماية السياسة من ادعاء العصمة. فمن حق رجل الدين أن يتحدث عن الظلم والفساد وحقوق الإنسان، ومن حق السياسي أن يستلهم القيم الأخلاقية، لكن ليس من حق أحد أن يحتكر تفسير الدين أو يمنح قراراته حصانة مقدسة.
وحين يُوظَّف الخطاب الديني لخدمة مشروع سياسي، تتغير طبيعة النقاش. لا يعود السؤال: هل هذا القرار صحيح؟ هل يخدم الناس؟ هل يحقق العدالة؟ بل يصبح: مع من تقف؟ وهل أنت معنا أم ضد الدين؟ وهكذا ننتقل من ثقافة الحوار إلى ثقافة التخوين، ومن محاسبة المسؤول إلى تقديسه، ويُغلق باب المساءلة، ويحل ميزان الولاء محل ميزان الكفاءة والنزاهة.
والأخطر أن الأخطاء السياسية حين تُغلّف بالدين لا تبقى أخطاء بشرية قابلة للتصحيح، بل تتحول إلى معارك عقائدية يدفع المجتمع ثمنها انقساماً وتفككاً. وكلما فشل مشروع سياسي حمل الناس خيبتهم إلى الدين نفسه. لكن الدين لا يتحمل مسؤولية كل من تحدث باسمه، كما أن الوطن لا يتحمل مسؤولية كل من ادعى تمثيله.
فكيف نربط ثبات العقيدة بتقلب التحالفات والمصالح؟ وكيف نقبل أن يصبح المقدس رهينة حسابات انتخابية وتنافس على السلطة؟
إن الفصل بين الخطابين ضرورة لحماية التعددية وحرية الاعتقاد، وحق المواطن في اختيار موقفه دون أن يُشكَّك في إيمانه أو وطنيته. فالمجتمع الذي يقبل تعدد الآراء يعترف بأن الاختلاف ليس خطيئة، وأن المواطنة لا تُقاس بالتطابق مع تفسير ديني أو توجه حزبي.
المشكلة ليست في أن يتحدث الدين عن السياسة، بل في أن تتحدث السياسة بلسان الله. فحين يدّعي البشر تفويضاً إلهياً لمواقفهم، فإنهم لا يختصرون المسافة بين السماء والأرض، بل يوسّعون سلطتهم على الناس، ويصبح النقد جريمة، وتصبح الحقيقة لمن يملك المنبر الأعلى صوتاً لا الحجة الأقوى.
ونحتاج إلى خطاب ديني يؤكد أن جوهر التدين هو العدل والرحمة والتواضع، لا السيطرة والإقصاء، وإلى خطاب سياسي يخاطب العقول ويقدم برامج قابلة للنقاش والمحاسبة، ولا يستدعي المقدسات كلما عجز عن الإقناع. فالأوطان لا تُبنى بتقسيم الناس إلى مؤمنين وغير مؤمنين وفق مواقفهم السياسية، ولا حين يُطلب من المواطن أن يتنازل عن عقله ليثبت إخلاصه.
إن أخطر أشكال الاستبداد ذلك الذي لا يكتفي بالسيطرة على القرار، بل يريد السيطرة على الضمير. فلا تجعلوا الله طرفاً في معارك البشر، ولا تجعلوا الدين غطاءً لأخطاء السياسيين. فالإنسان لا ينبغي أن يخسر حقه في الاعتراض كي يحتفظ بحقه في الإيمان.




